خطاب أيديولوجي تعبوي بامتياز، هكذا يمكن باختصار وصف خطاب الرئيس الأميركي جورج بوش. الخطاب الذي ألقاه يوم 6 أكتوبر أمام المؤسسة البحثية «الصندوق الوطني للديمقراطية». بإيجاز فإن الخطاب الذي ألقي في إطار احتفالات الذكرى الرابعة للحادي عشر من سبتمبر ركز على «الخطر القاتل» للإرهاب واعتبر أن هنالك ثلاثة أهداف لما يسميه بوش بتيار الاسلاموفاشية.

هذه الأهداف هي إنهاء النفوذ الأميركي والغربي في الشرق الأوسط الكبير والسيطرة على دولة لاستعمالها كقاعدة انطلاق ضد الحكومات الإسلامية غير الراديكالية وكذلك السيطرة على دولة بهدف تعبئة «الجماهير الإسلامية» لقلب الأنظمة المعتدلة في المنطقة.

ويرد الرئيس الأميركي على هذه «الاستراتيجية الكبرى» للإرهاب باستراتيجية كبرى أيضاً تقوم على إجراءات خمسة هي سياسة وقائية ضد الإرهابيين، حرمان الأنظمة الخارجة على القانون من سلاح الدمار الشامل وحرمان الجماعات الراديكالية من الحصول على ملاذ آمن عند هذه الأنظمة ويعطي أمثلة على السلوكية الإيرانية والسورية في هذا المجال، وكذلك حرمان الإرهاب من السيطرة على أي دولة والعمل على استبدال الحقد بالديمقراطية. ويمكن إدراج الملاحظات التالية حول هذا الخطاب في توقيته ومضمونه وخلفياته وأبعاده.

أولاً: إنه يمثل دون شك ما يعرف بالخطاب العقيدة الاستراتيجية في التقاليد السياسية الرئاسية في الولايات المتحدة إذ جرت العادة ان يبلور كل رئيس عقيدة استراتيجية شاملة ترتبط باسمه وتعبر عن رؤيته وأولوياته في التفاعل مع القضايا والمسائل العالمية، وخطاب 6 أكتوبر هو الأكثر تعبيراً عن عقيدة بوش.

ثانياً: يذكر الخطاب بمنطق الثنائيات والمواجهة خلال الحرب الباردة بين فكر الخير وفكر الشر، وبين إمبراطورية الخير أو الولايات المتحدة وحلفائها وإمبراطورية الشر، كما كان يصفها الرئيس رونالد ريغان أو الاتحاد السوفييتي وحلفاؤه،

ويستعير من لغة الحرب الباردة مفردات توصيف المواجهة الشاملة والأهداف الاستراتيجية المتناقضة والمتصارعة والجبهة المركزية للمواجهة والصراع التي كانت في المسرح الأوروبي في الماضي والتي هي حالياً حول المسرح العراقي كما يقول بوش في وصفه استراتيجية الإسلاموفاشية التي تريد إقامة إمبراطورية إسلامية راديكالية تمتد من اسبانيا إلى أندونيسيا.

ثالثاً: اتسم الخطاب باختزال شديد في وصف وتحديد المشاكل والمخاطر التي يواجهها العالم حسب واشنطن وبالتالي في تبسيط أشد في تقديم الحلول. خطاب يقدم «المخطط الكبير» في الصراع ضد العدو الذي يجري تضخيم قدراته ورؤيته واستراتيجيته. خطاب يعبر عن أيديولوجية يحكمها منطق المحافظين الجدد بعد أن لوحظ والمؤشرات كانت كثيرة عن تراجع نفوذهم في الإدارة الثانية لبوش.

لكن يبدو أن هذا النفوذ بقي قوياً وطاغياً في بلورة وصياغة الرؤيا الاستراتيجية العقائدية للرئيس. خطاب يقوم على الخلط بين عناصر مختلفة معقدة وراء انعدام الاستقرار والتوتر والراديكالية والعداء لأميركا وعلى التعميم وعلى الإسقاط في الاستنتاج ويتجاهل المسببات الحقيقية المجتمعية العميقة وخاصة تلك المتعلقة بمسألة الهوية والموقف من القضايا المرتبطة فيها، في إنتاج التوتر والخلاف والنظرة السلبية إلى واشنطن «وكره سياساتها».

وتصبح الديمقراطية على سبيل المثال هي الحل السحري لمحاربة الإرهاب ورغم أهمية نشر الديمقراطية لذاتها وكوسيلة لمعالجة الكثير من المشكلات الكبيرة وللإسهام في حل عدد من المسائل، إلا أن أكثر من دراسة دلت على عدم وجود علاقة مباشرة بين الديمقراطية ومكافحة الإرهاب آخرها دراسة في طريقها للصدور عن معهد بروكنغز الأميركي.

رابعاً: يأتي «فكر» هذا الخطاب كنتاج لحوار كبير حصل في أوساط الإدارة في الصيف الماضي حول كيفية مواجهة الإرهاب والتطرف وضرورة أن ترتكز الحرب على الإرهاب على مقاربة شاملة مترابطة بين عناصرها السياسية والاقتصادية والثقافية والاستراتيجية والاجتماعية وعدم اختزال مفهوم محاربة الإرهاب بالعمل العسكري والأمني بل إدراجه في مفهوم أشمل وأعمق وهو «النضال العالمي ضد التطرف».

خامساً: يأتي الخطاب في وقت تتآكل فيه شرعية الحرب الأميركية على العراق كل يوم مع الانسداد السياسي الحاصل وازدياد العنف والتأزم وتتراجع فيه شعبية الرئيس بسبب الإعصار العراقي وبسبب الإعصار الطبيعي، إعصار كاترينا، وسوء إدارة الولايات المتحدة لنتائجه وتداعياته.

فأمام ازدياد المعارضة للسياسة الأميركية في العراق، في المجتمع وفي المؤسسة السياسية الاستراتيجية في واشنطن وكذلك في العالم، تريد الإدارة الأميركية عبر هذا الخطاب إعادة التأكيد على مركزية المسرح العراقي بالنسبة للأمن وللمصالح الحيوية الأميركية وإبراز أهميته في المواجهة الدائرة بين «قوى الخير وقوى الشر»، بين واشنطن والإرهاب وبالتالي التأكيد على حتمية الاستمرار في هذه المواجهة ذات التداعيات الاستراتيجية «على الإنسانية» كما يقول الخطاب وتحمل تكاليفها الباهظة.

كاتب لبناني