بعد انتخابات العام 2000، أصبح جورج بوش رئيساً للولايات المتحدة دون الحصول على أغلبية في الاصوات، وسخر الكثير من الأوروبيين في المشهد المؤسف لانحدار أقدم ديمقراطية متواصلة في العالم إلى فوضى انتخابية على غرار ما يحدث في العالم الثالث. ولم يعبأ معظم المنتقدين بالاصغاء إلى المعلومات عن طبيعة نظام المجمع الانتخابي المعمول به منذ قرنين في أميركا.
معظم الأميركيين يحترمون نمط الحياة المتحضر لأوروبا، ومواصلاتها العامة وتعاملها المتطور مع الشؤون العالمية لكنهم لا يفهمون سبب معاداة الاوروبيين للولايات المتحدة حتى قبل انتخاب بوش.السبب هو أنهم لم يعودوا يحتاجون الينا لإبقاء السوفييت بعيداً عن حدودهم؟ هل نسوا التضحيات الأميركية في الحربين العالميتين الأوروبيتين؟
أم ان السبب هو ان الاتحاد الأوروبي لا يقدم أداء أفضل من الولايات المتحدة، بل ان اداءه في الغالب أسوأ من ادائها؟ ذلك الإحباط ربما يفسر سبب انزعاج مواطني أوروبا الفخورين المتحضرين منا أو حسدهم لنا نحن الريفيين الأجلاف!
وكان المفترض ان تكون الشبكة الاجتماعية الأوروبية دليلاً على ثقافة العطف الأوروبية بالمقارنة مع ثقافتنا القاسية التي تكرس مبدأ «الرابح يأخذ كل شيء» لكن في ألمانيا وفرنسا، ليس هناك نمو اقتصادي، ومعدلات البطالة وصلت الى حوالي 10 بالمئة وذلك الوضع لا يبدو انسانياً ابداً.
قبل الحرب العالمية الثانية، انهارت الحكومات الائتلافية الضعيفة للجمهورية الألمانية، أخيراً عندما وصل عدد الألمان العاطلين عن العمل إلى ستة ملايين شخص. ويجب الانتباه هنا إلى ان أرقام البطالة في ألمانيا بلغت عتبة الخمسة ملايين في وقت سابق هذه السنة. ومرة أخرى يلقي الألمان باللائمة على الآخرين. وهذه المرة كبش الفداء هو على الأغلب الرأسماليون الأميركيون أو جورج بوش أو المحافظون الجدد المخيفون.
بعد 11 سبتمبر، أعرب العديدون من أنصار الحريات المدنية الأوروبيين عن صدمتهم من قانون مكافحة الارهاب الذي سنته بلادنا وأشار بعضهم إلى ان الولايات المتحدة بدأت تنحدر الى مستنقع من الظلم وغياب العدالة على غرار ثقافة تكساس.
لكن بعد تفجيرات مدريد ولندن، وانتشار التشدد الإسلامي بصورة عامة، تذهب الآن التشريعات الأوروبية المقترحة إلى حد أبعد بكثير من قانون مكافحة الارهاب الأميركي وحتى المواطنين الأوروبيين المجنسين قد يتم قريباً ترحيلهم على عجالة بمجرد الاشتباه في تبنيهم مواقف مناصرة للارهاب في كلامهم أو كتاباتهم.
ثم هناك نتائج للإصرار الأوروبي على الحلول متعددة الأطراف للصراعات الدولية. الكثيرون من الأميركيين يعتبرون هذا النهج الأوروبي اما طريقة ذكية لعرقلة جهود الولايات المتحدة أو طريقة غير عملية للتعامل مع الأنظمة المتنمرة.ومع ذلك وافقت الولايات المتحدة وسلمت ملف الأزمة الإيرانية النووية إلى الأوروبيين. لكن مع ذلك لا يزال ذلك البرنامج النووي يمضي قدماً بأقصى سرعة في طهران.
والآن برزت روسيا والهند والصين كمدافعين جدد عن ايران. وتبدو فرنسا وألمانيا في وضع الذليل بينما يتجاهل زعماء إيران مطالبتهما حتى باجراء تدقيق متواضع من جانب الأمم المتحدة.وأخيراً سيقت كارثة الاعصار كاترينا في أوساط عديدة باعتبارها دليلاً على الفوضى البيئية والطبقية والعرقية في أميركا.
لكننا الآن نتماثل للشفاء عن آثار العاصفة بطريقة جيدة وفق أي معيار منصف. لقد غمر اعصار مهول مدينة تقع تحت مستوى البحر على ساحل عاصف، وعلى دلتا نهر كبير وتحت بحيرة عملاقة. لكن في موجة الحر التي ضربت فرنسا في أغسطس 2003، قضى 15 ألف مواطن فرنسي نحبهم وهو رقم أعلى بكثير ممن ماتوا في نيو أورليانز.
ويبدو ان الأمور العسكرية على وجه الخصوص تبرز خلافاتنا مع الأوروبيين. ففي العراق يسخر الأوروبيون من الجنود الأميركيين بتصويرهم كمحاربين من العصر الحجري ينطحون رؤوسهم بالمثلث السني، بينما يتجول نظراؤهم البريطانيون بدون خوذ عسكرية او نظارات شمسية في شوارع الجنوب الشيعي الاهدأ.
لكن البصرة بدأت تتحول الى منطقة خارجة على القانون بسبب تراخي البريطانيين. وأخيراً اضطرت القوات البريطانية المستشيطة عضباً إلى اقتحام مركز احتجاز عراقي بدبابة لمحاولة انقاذ جندييها المحتجزين.وفي أفغانستان، طلب من الناتو المساعدة في «الحرب الجيدة» كما هو مفروض لاستئصال نظام طالبان وصون الديمقراطية. لكن حتى الآن لا تزال مستويات الجنود الاوروبيين هناك مخيبة للآمال. ومعظمهم ممنوع من حكوماته من الاشتباك مع الارهابيين خارج كابول.
خدمة «لوس انجلوس تايمز»
خاص لـ «البيان»