هناك اعتقاد جازم لدى كثيرين في أن معركة العرب في القرن الجديد هي «التحديث»، بكل ما تعنيه كلمة معركة من دلالات ومعان راسخة في وعينا وقيمنا. فالتداعيات التي ترتبت على حادث 11 سبتمبر كشفت عن الفجوة الهائلة بين العالم العربي والغرب في أمور كثيرة، جعلت أصواتا كانت خافتة في الماضي تنادي صياحا بالتحديث الفكري وتزامن هذا مع مطالب غربية.
وخصوصا أميركية، بتحديث مناهج التعليم الديني في بعض الدول العربية، الأمر الذي فتح مجالا للاشتباك بين النخب الفكرية في الغرب والشرق حول ماهية «المقدس»، والعلاقة بين «النصوص» و«الممارسات». وفي مفهومه البسيط يعد التحديث أو «العصرنة»، كما يحلو للبعض أن يطلق عليه، عملية شاملة، تنقل المجتمعات الإنسانية من وضع تقليدي إلى حالة متطورة.
أما المفهوم المركب فيدخل في جدل متعدد الأبعاد حول ماهية التقليدي ومظاهر التطور الاجتماعي وجوانبه، وعما إذا كانت عملية التحديث تسير في خط مستقيم أم متعرج، والبصمة التي تتركها الأيديولوجيات السائدة عليها. ولا يخلو تناول التحديث في الأدبيات العربية من توجيه انتقادات للبنى الاجتماعية التقليدية، إما عبر إبداء ملاحظات سريعة عليها لا تقطع بشيء ذي بال، أو القيام بجلد «التقليدية»
وتحميلها تبعات الإخفاق في محاولات الخروج من دائرة الجمود والانطلاق إلى آفاق رحبة من «العصرنة». ويؤصل هذا التناول وجوده في ثنائية باتت معهودة في فكر النخبة عن «الأصالة والمعاصرة» ليصل في أقصى مراحله إلى حديث مسهب عن «الخصوصية والعولمة»، مرورا بجدل شهده العقدان الأخيران عن عمليات التحول الديمقراطي.
وفي غمرة هذا الجدل تنسى بعض النزعات الإصلاحية أن قديم الظواهر الاجتماعية لا يموت كاملا، وأن التوجه إلى الحداثة لا يعني بالضرورة السير إلى الإمام في خط مستقيم، وأن المجتمعات الإنسانية لا تعدو كونها وثيقة من جلد رقيق يقرأ الجديد فيها فوق القديم بوضوح وجلاء. فالطبيعة «الأركيولوجية» للمجتمع،
بحسب تصورات الجيولوجيين، تجعل الجديد ينسلخ من ظهر القديم دون أن يزيحه تماما، بل إن عملية الانسلاخ هذه تبدو صعبة، ولذا لا يمكن أن يتجاهل التحديثيون وجود منطقة وسطى بين ما هو تقليدي وما هو عصري، يطلق عليها مفهوم مستعار من العلوم الطبيعية هو «التحول»، ما يعني في هذا المقام، التفاعل، الذي يصل في بعض المجتمعات إلى حد التصارع، بين القديم والحديث.
وفي مجتمعات أخرى يتعايش الاثنان دون أن يسبب ذلك أي اهتزاز لأركانها، نظرا لانتشار قيم التسامح والاستعداد للانفتاح على الآخر، فضلا عن الدور الذي تلعبه النخب في إدخال مظاهر التحديث إلى مختلف جوانب الحياة بطريقة متدرجة وملائمة.
وفي المقابل قد يبدو إضعاف نفوذ الجماعات، التي تتكتل وراء الظواهر التقليدية ولا تتعاطى مع التحديث، لأسباب أيديولوجية أو مصالح آنية، أمرا ضروريا في كثير من المجتمعات حتى يمكن لرياح التمدن أن تهب بقوة وتأثير. لكن يبقى هناك اختلاف حول أساليب هذا الإضعاف ودرجته وتداعياته وجدواه في المدى القريب، خاصة أن «التقليدية» ليست شرا محضا وأنها حامل لأفكار وسلوكيات مفيدة، ولذا فإن تطوير هذه الأفكار لتتماشى مع الحداثة هو الذي يجب أن يتم وليس وأد هذه الأفكار والقضاء على تلك السلوكيات.
وهذا الاختلاف إن كان يعبر عن المساحة الكبيرة التي أخذتها نظرية التحديث في الجدل العلمي المعاصر، فإنه يشير بجلاء إلى أن هناك من يؤمن بعدم «نمذجة» هذه النظرية، أي اتخاذها مسارا واحدا، يجب على الجميع أن يسلكوه حتى يمكن لهم أن ينجزوا مجتمعا محدثا،
وأنه من الضروري أن يكون لكل مجتمع إبداعه الخاص في التحديث بما يتوافق مع ظروفه وأهدافه. وهنا تستعيد «التقليدية» بجانبيها المؤسسي والفكري الكثير من نفوذها، خاصة أن العديد من الإصلاحيين لا يؤمنون بإزاحة القديم كله، الأمر الذي يعيد إنتاج الأفكار والتنظيمات التقليدية في تصورات وأشكال جديدة.
فهناك من يريد إعادة الاعتبار لمفهوم «الأصولية» ويرى أنه قد تم تشويهه من قبل وسائل الإعلام الغربية وتقديمه في صورة «المناقض للحداثة»، وفي المقابل هناك بعض الأنظمة تقدم على إتيان أفعال معينة على أنها ذات طابع تحديثي في الجانب المادي مع أنها منافية للتحديث في جانبه الفكري.
وحيال الوضع الشائك نسبيا، الذي بينته السطور السابقة، يصبح التساؤل حول مدى وجود ارتباط بين تفكيك البنى الاجتماعية التقليدية والتحديث مشروعا ومبررا. فهل هذا التفكيك شرط لإطلاق عملية التحديث؟ أم أن موجات التحديث المتلاحقة هي التي تقوض أركان هذه الأبنية؟. وبطريقة أخرى: هل التحديث سبب لحدوث ذلك التفكيك أم أنه نتيجة له؟، أم أنهما عمليتان متلازمتان ومتزامنتان؟.
وإذا كان من الصعب أن نتصور تراجع نفوذ البنى التقليدية كلية في كثير من المجتمعات، فهل هناك من يضمن عدم حدوث ردة على عمليات التحديث؟. علاوة على ذلك هناك حزمة من التساؤلات حول مدى صلاحية نماذج بعينها من التحديث في التطبيق على مجتمعات عديدة، وعما إذا كان التحديث عملية إصلاح ذاتي تفجر الطاقات وتوظف القدرات الداخلية، أو المحلية، لكل مجتمع، أم أنها عملية تأتي من الخارج، كما هو الحال بالنسبة للاستعمار؟.
وهل الاحتكاك الطوعي بين المجتمعات النامية وتلك المتقدمة يفسر على أنه عملية داخلية أم خارجية؟. وللإجابة عن تلك التساؤلات يجب أن تعكف الجماعة العلمية العربية المختصة بالإنسانيات باتباع منهج يزاوج بين الوصفي والتحليلي على دراسة عملية التحديث في مفهومها وآلياتها ووسائط نقلها وسبل إيجادها والانتقادات الموجهة إلى مقولاتها الأساسية ونماذجها،
والانتقال من ذلك إلى تحليل مظاهر التقليدية في المجتمع والقوى الاجتماعية المعبرة عنها، وموقع المجتمعات العربية من التحديث، وأثر ذلك على بنيته الاجتماعية القديمة، وذلك اعتمادا على ما جادت به دراسات اجتماعية أنثروبولوجية وسياسية في وصفها لملامح هذه المجتمعات وخصائصها،
وما قدمته بعض الوثائق التاريخية المعاصرة من معلومات حول النظام السياسي ـ الاجتماعي في كل دولة عربية على حدة، علاوة على تتبع سير بعض الوقائع والأحداث ذات الصلة بموضوع الحداثة في جانبها الاجتماعي والسياسي، ثم درجة التحديث التي حققتها الدول العربية، ومظاهر التقليدية التي تصر على الاستمرار ومجاورة «العصرنة».
مدير مركز بحوث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة