هل تكفي المواطن العربي البسيط مشاعره الوطنية الجارفة وحماسه الزائد وذوبانه عشقاً في حب الوطن لكي يصبح رئيساً للوطن ويتبوأ فيه أعلى وأرفع منصب سياسي؟ أم أن ذلك درباً من دروب الحلم والخيال التي لا تتحقق أبداً.

طرحت السؤال السابق وأنا أتذكر نكتة طريفة كان يتداولها ـ وربما مازال ـ البسطاء في عالمنا العربي عن ذلك المواطن الذي أعلن عن رغبته للترشيح لمنصب الرئيس ودوافعه في ذلك حب وعشق الوطن مما أثار استغراب واندهاش أجهزة حماية أمن الوطن وصيانته فتم استدعاؤه على عجل واستجوابه.

وأمام رئيس الأجهزة كرر المواطن رغبته فثار في وجهه الرئيس معنفا ومستنكرا الرغبة الشاذة «انت عبيط يا بني ..!» فرد عليه المواطن بعفوية وسذاجة ظاهرة «وهل من شروط من يتولى منصب الرئيس أن يكون عبيطاً؟!».

وإذا كان نموذج المواطن العربي البسيط غير قابل للتحقق على الأقل في المنظور القريب فإنه في دول أخرى يتحقق هذا النموذج الآن في ليبيريا، البلد الإفريقي الفقير الذي فرقته 14 عاماً من الحرب الأهلية رشح لاعب كرة القدم الشهير جورج وايا نفسه للرئاسة واستهزأ منه معارضوه ومنافسوه بسبب ما وصفوه بافتقاره للخلفية العلمية المؤهلة لاحتلاله اعلى منصب في البلاد.

«وايا» المواطن الليبيري البسيط ـ 39 ـ عاماً حمل هموم وطنه واحلامه بين ضلوعه كلاعب للكرة في ملاعب أوروبا ومعه عرف العالم موقع بلاده الفقيرة عندما فاز بجائزة أحسن لاعب في أوروبا و العالم عام 1995 كما حصل عام 2000 على جائزة لاعب القرن في إفريقيا ولعب ضمن أشهر الأندية الأوروبية في باريس سان جيرمان وموناكو في فرنسا وايه سي ميلان الإيطالي ثم لنادي الجزيرة الإماراتي.

وفي لحظات معاناة بلاده من الحرب الأهلية وتخلي الجميع عن منتخب وطنه أعلن تحمله لكافة نفقات السفر والتدريب واللعب في المنافسات الدولية حتى يبقى اسم ليبيريا يتردد في المحافل الرياضية العالمية.كان هو المدرب واللاعب في الوقت ذاته وما زال المصريون يتذكرون هزيمة منتخب بلادهم أمام ليبيريا ونجمها الأوحد جورج وايا في تصفيات كأس العالم 1998. لم يتوقف عطاء وايا على كرة القدم فقط وإنما امتد إلى مساعدة الفقراء في بلاده.

وإزاء تلك المواقف الإنسانية النبيلة اعتبر الشعب الليبيري وايا رمزا للبلاد ومنحه الحب الجارف الذي استند عليه في حملته الانتخابية. ونظرا لجهوده الكبيرة من أجل إحلال السلام ومساعدة الفقراء في بلاده والبلاد المجاورة عينته منظمة اليونيسيف سفيرا للنوايا الحسنة في عام 1997 وركز جهوده على دعم مرضى الإيدز وتأهيل البرامج التعليمية في ليبيريا وغانا وسعى من اجل نزع سلاح المتقاتلين في بلاده وحقن الدماء ووقف الحرب الأهلية.

جاء «وايا» وحزبه «المؤتمر من أجل التغيير» لإنقاذ بلاده من أتون حرب قضت على الأخضر واليابس وسقط الآلاف من الليبيريين ضحايا لها، فهل يحقق المتحمس العاشق لاعب كرة القدم الرئيس لبلاده ما عجز عنه أصحاب المؤهلات والخبرة في الحكم التي أدت إلى اشتعال حربين أهليتين بسبب سياسة الرئيس السابق تشارلز تايلور وأدت إلى تنحيه عن الحكم والذهاب إلى المنفى في جنوب نيجيريا.«وايا» نجم كرة القدم العالمي والمواطن الليبيري المحب لوطنه يحقق المستحيل الذي نتمناه في عالمنا العربي.