ترى من يتحكم في هذا العالم حقاً؟.. السياسيون الذين يحكمون بما لديهم من سلطة قانونية وأدوات سلطة مادية؟ .. أم هم الذين يسودون بما لديهم من ثروة مادية وأدوات سيطرة عملية؟ .. أم هم الذين يؤثرون بما لديهم من ثروة فكرية وأدوات تأثير ثقافية؟ من المثير للانتباه أن أحداً من هؤلاء ليس هو الذي يتحكم بالدرجة الأولى في التأثير على الناس وفي التحكم في توجهاتهم..
وقد شغلت هذه الأسئلة إحدى أجهزة الإعلام العالمية فأوكلتها بدورها إلى إحدى المؤسسات العالمية لاستطلاع الرأي للحصول على الإجابة بقياس علمي. وفي واحد من أكبر استطلاعات الرأي العالمية، وفي إطار بحث لهيئة الإذاعة البريطانية «بي. بي. سي» بعنوان «عالمك من يتحكم فيه؟»
أجرت مؤسسة «جالوب» العالمية الاستطلاع، الذي شارك فيه 5000 شخص من 68 دولة، وتظهر لنا نتائج الاستطلاع عدة حقائق مثيرة للاهتمام، جديرة بدراستها والبناء عليها، فيما يخص منطقتنا العربية والإسلامية، خصوصاً في عصر ثورة الاتصالات وعولمة الإعلام وتدفق المعلومات بين أنحاء العالم.
واحدة من بين أهم هذه النتائج أن علماء الدين هم الذين يقودون في الواقع توجهات الرأي العام في معظم أنحاء العالم يليهم الساسة، إذ إن غالبية سكان العالم يثقون بعلماء الدين بصورة أكبر بكثير مما يثقون برجال السياسة، وقد أكد 33% من الذين شملهم الاستطلاع الثقة في رجال الدين في الشرق والغرب، بينما لم يحظ رجال السياسة إلا بنسبة 13% فقط من المشاركين.
وواحدة من بين هذه النتائج هو أن التوجهات الدينية لها الشعبية القصوى خصوصاً في الشرق الأوسط، تليها الانتماءات الوطنية.. وقد لا يكون هذا أمرا لافتا كون هذه المنطقة هي مهبط الرسالات السماوية الثلاث، اليهودية والمسيحية والإسلام على الأنبياء موسى وعيسى ومحمد عليهم جميعا الصلاة والسلام.
وفي مصر على سبيل المثال حيث تم استطلاع آراء 500 شخص اعتبر 87% أن مصر لديها أعلى معدل في العالم لأهمية الدين في المجتمع، إذ أثبت الاستطلاع أنه يحتل المكانة الأولى بين أهم مكونات الهوية.. وقد أكد هذا الواقع المؤرخ اليوناني «هيرودوت» عندما زار منطقة الشرق، ووصف شعوبها، اختص الشعب المصري بأنه «شعب متدين» مضيفا إلى ذلك قوله «إن مصر هبة النيل»، وعائدا إلى بلاده بانطباع أن الدين فوق كل شيء، وقبل كل شيء في الحياة المصرية القديمة.
بينما اتضح أن التيار الوطني هو المكون الثاني للهوية المصرية حيث لم يضع المكون الوطني قبل المكون الديني سوى 2% فقط من المشاركين. وفي الاتحاد الأفريقي، على سبيل المثال، من بين ست مناطق قسم منظمو الاستطلاع العالم عليها هي أفريقيا، وآسيا والباسفيك، وأمريكا الشمالية، وروسيا والكومنولث، وأوروبا، وأمريكا اللاتينية والكاريبي، اعتبر 75% من الأفارقة أن رجال الدين هم الفئة التي يشعرون نحوها بأعلى معدل ثقة..
تجيء هذه النتائج لتضع علماء الدين في المرتبة الأولى في نظر شعوب العالم قبل الساسة، والاقتصاديين والمثقفين والصحافيين ورجال الأعمال والعسكريين.. ولكي تكتمل الصورة، فإن 35% من شعوب العالم تريد منح المفكرين والأكاديميين المزيد من الدعم، بينما طالب 25% بمزيد من الدعم لعلماء الدين، في حين جاء الصحافيون في المرتبة الثالثة حيث طالب 20% بدعمهم، كذلك حصل رجال الأعمال والعسكريون على النسبة ذاتها.
وتجدر الإشارة إلى أن أحد المحاور المهمة في هذا الاستطلاع كان يتعلق بتحديد ما إذا كانت الشعوب تعتبر أن حكوماتها تمثلها أم لا، بالإضافة إلى ما إذا كانت هذه الدول تنظم انتخابات حرة ونزيهة ولكن للأسف تشير مؤسسة «جالوب» إلى أنه لم يتم السماح بطرح هذه الأسئلة المتعلقة بالسياسة في بعض دول الشرق الأوسط !! والسؤال هو.. ماذا تعني هذه النتائج في النهاية سواء للقارئ أو لصانع القرار؟
لعله من الواضح أنها تعكس في الأساس أن القيم الدينية كانت ولا تزال أكبر مصدر للتأثير في الرأي العام العالمي وأهم مكون من المكونات الوطنية في عالمنا، وأن علماء الدين، خاصة في الأديان السماوية الثلاثة يقفون في مقدمة القوى المؤثرة لدى الشعوب والمتحكمة بالتالي في توجهات العالم، وأن هناك نوعاً من أزمة الثقة بين الشعوب وبين الساسة تختلف نسبتها من منطقة إلى أخرى ومن دولة إلى أخرى طبقاً لمدى ما تعبر به الحكومات عن آمال الشعوب.
.. إن العلماء والأمراء الذين يقفون في مقدمة القوى المؤثرة يتوقف صلاح أحوال المجتمع ـ أي مجتمع ـ على صلاحهم والعكس أيضاً صحيح. .. إن العلمانية والأيدلوجيات والفلسفات البشرية حتى مع صدق توجهاتها ومع التسليم بأنها اجتهادات تستهدف مصلحة الإنسان، لم تستطع أن تقلل من مكانة الدين في الحياة الإنسانية فضلاً عن أن تكون بديلاً عنه.
.. إن الحضارة المادية بكل إنجازاتها وإبهارها وعولمتها الثقافية المتباعدة عن الدين والمجافية في كثير من جوانبها للعديد من قيمه البناءة ما زالت تفتقر إلى الجوانب الروحية والمعنوية التي تفتقدها النسبة الكبرى من شعوب العالم.
.. إن عصر الديمقراطية الذي يتطلب من الحرية والشفافية القدر الكبير، ومن اعتماد آراء الشعوب في رسم السياسات، يفرض على صناع القرار في العالم عدم تجاهل ما تشير به استطلاعات الرأي العام خصوصاً الموثوق فيها. .. ومن هنا لابد أن يكون للعلماء، علماء الدين وعلماء الحياة والمفكرين الذين يحظون بالنسبة الكبرى من ثقة شعوبهم اعترافاً ودعماً ومشاركة أكبر في صنع قرارات أوطانهم.
.. وأخيراً إن معرفة آراء الشعوب والتعرف على توجهاتهما يوفر للحكومات وللشعوب على السواء أساس الرؤية المشتركة والعمل المشترك والثقة المشتركة في بناء الأوطان. في النهاية يبقى القياس العلمي والرصد الموضوعي والتعبير الشفاف عن طموحات الرأي العام واحداً من أبرز أدوار وسائل الإعلام.
ولتأكيد هذا الدور الإعلامي يلزم التأكيد على مبدأ حق الإعلام في الحصول على المعلومات الصحيحة من مصادرها، كما يلزم التأكيد على مبدأ حق الناس في أن تعلم كل الحقائق بشفافية فيما يتصل بالسياسات والممارسات المؤثرة على واقعهم ومستقبلهم. .. حق للناس أن تعلم.. وواجب على الإعلام أن يٌعَلم.. ولكن.. بعد أن يَعلمْ.
كاتب مصري