من جديد، يعود ملف سلاح المقاومة الفلسطينية في لبنان الى صدارة الحدث في ظل الملفات العديدة التي يجري نبشها في الساحة اللبنانية منذ ما قبل اغتيال الشهيد رفيق الحريري، وتحديداً منذ صدور القرار الدولي 1559، وهو القرار الذي تأتى تحت فعل الدورين الأميركي والفرنسي في مجلس الأمن.
وفي سياق المنهج الاستخدامي الذي اتبعته الإدارة الأميركية لتطويع المنظمة الدولية لصالح سياساتها الكونية، خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط. وقد يكون ملف السلاح الفلسطيني قبل الأخير، في سلسلة متواترة من التحريك المقصود للوضع اللبناني باتجاه تأزيم العلاقات اللبنانية مع الطرفين الفلسطيني والسوري، وبعد ذلك فان الحديث سيعود بقوة للبحث في مسألة سلاح المقاومة الوطنية اللبنانية، وسلاح حزب الله على وجه التحديد.
ويستطيع المتابع للحدث الفلسطيني في لبنان أن يلحظ بسهولة كاملة بأن السلاح الفلسطيني فوق الأرض اللبنانية حافظ على درجة عالية من الانضباطية خارج المخيمات، ولم يتورط السلاح إياه في أي حوادث تذكر من ما وقع منها في مختلف المناطق اللبنانية منذ انطلاق الانتفاضة الفلسطينية، وطي ملف الاقتتال الفلسطيني ـ الفلسطيني نهاية العام 1987.
فانكفأ السلاح الفلسطيني باتجاه المخيمات في منطقتي صيدا وصور، في سياق الحفاظ على الأمن الداخلي والتصدي للهجمات الإسرائيلية المعتادة مع غياب الشرعية اللبنانية، ورفضها حتى اللحظة الراهنة دخول المخيمات وإنهاء واقع الحديث المتواتر الذي ينظر للمخيمات باعتبارها جزراً أمنية على أرض السيادة اللبنانية ومرتعاً للهاربين والفارين من القانون.
فمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الجنوب محاصرة عملياً من كافة المداخل الرئيسية بحواجز الأمن اللبناني التي تدقق بهوية القادمين والمغادرين من المدنيين، في ظل مأساة الانتشار الفوضوي لبعض المظاهر المسلحة من قبل أطراف ليست فلسطينية بالمطلق ولا علاقة لها بمنظمة التحرير الفلسطينية، وزادت أشكالها وأسماؤها، وتحديداً مع تحول مخيم عين الحلوة في منطقة صيدا الى ملجأ وقاعدة إقامة لها،
ومن هناك بدأنا نسمع الحديث المتواتر عن وجود أفراد من جهات أصولية لبنانية وعربية فروا من مناطق الضنية من طرابلس ـ شمال لبنان بعد مطاردات مع قوى الأمن اللبنانية، وبعضها من الأطراف المحسوبة على تنظيم القاعدة، مضافاً اليها مجموعات جند الشام التي يحسبها البعض باعتبارها من بقايا مجموعات ماكان يسمى بفتح ـ المجلس الثوري بقيادة الراحل صبري البنا (أبو نضال)، ومجموعات جديدة مجهولة الهوية والمنشأ تحمل اسم مجاهدي سيف الإسلام بن الوليد،
ناهيك عن مجموعتي عبد الكريم السعدي (أبو محجن) وأبناء الشريدي اللتين تحملان اسم عصبة الأنصار، وعصبة النور، وهما مجموعتان فلسطينيتان تم تفريخهما من رحم حركة فتح الأم، ومن رحم فصيلين ماركسيين ـ يساريين من الفصائل الفلسطينية بعد العام 1982 ؟ فتم الخلط المقصود بين أطراف التيار الإسلامي المسؤول ـ الفلسطيني واللبناني الجهادي الرسمي ( حركة حماس، حركة الجهاد، الجماعة الإسلامية، حزب الله) والقوى المشار إليها.
ان القول المشار إليه أعلاه ليس تحريضاً أو دعوة لزيادة الضغط الأمني الرسمي اللبناني على مخيم عين الحلوة بمقدار ما يشكل من دعوة للتمييز والتدقيق، ودعوة مباشرة للقضاء اللبناني والجهات الرسمية للتعاون المثمر مع منظمة التحرير الفلسطينية من أجل معالجة القضايا العالقة كمسألة السلاح الفلسطيني وغيرها من العناوين وفقاً للقانون اللبناني، ومن أجل وقف إقحام المواطنين الفلسطينيين داخل دوامة الفلتان الأمني الوافد إليهم من خارج مناطق التواجد الفلسطيني أصلاً.
وفي هذا المقام فان الساحة الفلسطينية في لبنان تضم في صفوفها العشرات من الشخصيات القيادية في منظمة التحرير الفلسطينية ذات الحنكة والدراية والمقدرة على معالجة الملفات العالقة (شفيق الحوت، محمد اليماني، صلاح صلاح، أنيس صايغ، عبد مقدح..) والتواصل مع الطرف اللبناني الرسمي من أجل وضع حد للمعاناة التي يعشها أبناء فلسطين في لبنان على أكثر من صعيد.
وخلاصة القول، وكما أكدت الشرعية الفلسطينية وعلى أعلى مستوياتها، ان سلاح المقاومة الفلسطينية في لبنان على تواضعه من حيث النوعية والكمية، سيكون بالضرورة منسجماً وبالتوافق مع إرادة اللبنانيين الى حين انتفاء وظيفته، ولن يكون سلاحاً ميليشياوياً استخدامياً، أو عائقاً أمنياً أمام الشرعية اللبنانية، كما لن يكون موجهاً لوظائف إقليمية تدار من هنا وهناك .
ولكن بالمقابل علينا نقر ونقول بأن حماية الذات الفلسطينية والمخيمات مسألة لا مساومة عليها في ظل غياب الأمن الشامل، وفي ظل تجربة الماضي الأليم التي دفع ثمنها المدنيون الفلسطينيون من أرواحهم ودماءهم في صبرا وشاتيلا دون أن تشفع لهم الضمانات الدولية .وإذا كان الوجود الفلسطيني في لبنان مرشحاً لتجديد إقامته القسرية إلى زمن غير محدد، فإن الأمر يقتضي تنظيم هذا الوجود بما في ذلك مسألة السلاح الفلسطيني بما يخدم المصلحة اللبنانية أولاً،
ومصلحة اللاجئين الفلسطينيين المقيمين منذ العام 1948 ثانياً، ومساعدتهم على تأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة اللائقة، وتمكينهم من المساهمة المشروعة في حماية قضيتهم والدفاع عنها. ودون تعقيد أو تبسيط، هذه الحقوق والواجبات ممكنة متى قامت الدولة اللبنانية الملتزمة بمبادئ شرعية حقوق الإنسان، بمفهومها الأساس.
كاتب فلسطيني ـ دمشق