هل من المعقول ان تكون الأمور الثقافية والصحافية، قبل ما يقرب من الربع قرن، أفضل مما هي عليه الآن ؟!. وأن القضايا التي كانت تناقش فيها ثراء، واختلاف في وجهات النظر، وطرح جريء وقوي والأهم من كل هذا، أن مختلف الاتجاهات الفكرية (بالرغم من اختلافاتها الايديولوجية)، كانت تتناقش وتتحاور في العديد من القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وعلى صفحات المجلات والصحف المحلية.

سواء كانت تابعة للقطاع العام أو القطاع الخاص، بل الأكثر من هذا أن وطننا العربي في مطلع القرن الماضي كان يشهد حركة فكرية تجديدية في مجالات شتى في الأدب والموسيقى والسياسة والعلوم وأن مفكري تلك الفترة وعلماءها وفنانيها وموسيقييها مازالوا مشاعل نور تضيء ظلمة يومنا الحالك السواد.

ما الذي حدث حتى يكسر معظم الكتاب أقلامهم، أو يفضلون البقاء في دائرة الظل، وفي أحسن الحالات لزوم الصمت، ذلك الصمت القاتل، إنها حالة غير عادية، فالطبيعة البشرية غريبة جداً، وهي معقدة جداً. هل كانت تلك المرحلة، مرحلة صحوة الموت، أم أن الموت قد اصاب تلك الأقلام، أليس من الطبيعي ان تتطور الحياة، وان يظل أولئك الكتاب، رافعي راية الحوار الحضاري،

ولا سيما وأن قضايا المجتمع قد زادت حدة، بل إن هنالك العديد من القضايا والمشكلات التي برزت للسطح، لم تكن معروفة منذ ربع قرن من الزمان، وهي قضايا برزت نتيجة لعدة عوامل: ثقافية، واقتصادية، واجتماعية. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، نتيجة لمتغيرات اقليمية ودولية، وربما محلية، مما زاد من حدة التحدى، ومن أهمية سيادة مبدأ الشفافية، والصراحة، والمواجهة.

لم يعد من الممكن الاستمرار في مواجهة هذه القضايا بعقلية القرن الماضي، بل بات من الضروري خلق آلية جديدة تتناسب مع الإيمان بأن العالم أصبح قرية صغيرة، وأن ثورة الاتصالات والمعلومات قد وجهت الضربة القاضية إلى قوانين الصحافة والرقابة التي كانت سائدة في القرن الماضي.

ان الإنسان قد تحرر من تلك العقلية التي سيطرت عليه في القرن الماضي، حينما لم تكن لديه وسائل للاتصال إلا عبر ما هو متاح.إن إنسان القرن الحادي والعشرين يستطيع أن يتواصل مع العالم وبطريقة بسيطة سواء عبر شبكات الانترنت ـ في ظل الحكومات الالكترونية، أو عبر القنوات الفضائية، وبمنتهى الحرية، ومن دون رقيب تعود جذوره إلى آلاف السنين، وهي مرحلة صراع الإنسان من أجل نيل المعرفة والحرية.

لم يعد هنالك سور حاجز بين الإنسان والمعرفة، أو عائق يحد من تحركه، ولعل انهيار سور برلين، ونهاية عهد الاستبداد الفكري والعقلي قد ولى ومن دون عودة. إنه زمن جديد، ولم يعد من الممكن أن يظل الإنسان عاجزاً أمام من يحاول أن يقيد حريته.

إن البشرية تعيش الآن في مرحلة العولمة، ذلك المصطلح العجيب والقريب، والذي ردم الفجوة بين شعوب العالم، وجعل الفرد يعيش في أجواء الحرية والشفافية، من لا يدرك ذلك فهو بلا شك، كمن يحاول أن يقاوم موجة عالية تسير بسرعة الصوت وربما البرق.

إننا نعيش في مرحلة الثورة العلمية والمعرفية، وعصر الإنسان الجديد، وهي مرحلة بحاجة إلى كل الاقلام، وإلى كل الاجتهادات الفكرية، وإلى ان يتعاون كل مكونات الطيف الفكري الإنساني. من أجل هدف واحد وهو خلق إنسان جديد، إنسان يؤمن بالمستقبل وبحرية الفكر والعقل.

لم يعد هنالك تابو، في كل المجالات سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية، لم تعد المعرفة والدراية حكراً على نخبة من المثقفين أو المفكرين، أصبحت المعرفة مشاعاً للجميع. لم يعد هنالك مجال إلا لمن يمتلك الأدوات والعقلانية، ومن هنا برزت فكرة محاربة الإرهاب الفكري بكل أشكاله وألوانه.

إن المرحلة الحالية هي مرحلة مواجهة تحدي البقاء والاستمرار، مرحلة ليس لها هوية إلا المعرفة ومواكبة التطورات العالمية مع المحافظة قدر المستطاع على خصوصية المجتمع وثقافته.إن هذه المرحلة الحاسمة تتطلب بروز فرسانها، وهم المؤمنون بأن العقلية العلمية هي التي تستطيع الاستمرار والبقاء، بل إنها التي تستطيع ان تثبت للعالم ان هنالك إنساناً قادماً من اعماق الصحراء، يستطيع ان يقارع فكرياً وعقلياً ابناء المدن القديمة والحضارات السائدة.

من منا لا يعتقد أن بقعة صغيرة في العالم، تخلق تجربة جديدة في التنمية وتصبح حديث العالم، ألم يفكر اصحاب القلم والفكر كيف حققت ذلك مدينة مثل دبي وبرؤية ثاقبة من قيادات منفتحة على العالم بثقافاته وعلومه وافكاره وفي الوقت نفسه حريصة على انتمائها الخليجي والعربي، إن هذا التغير في جزيرة العرب، سواء فيما يتعلق بالجوانب المادية أو الفكرية في فترة بسيطة من الزمن، ليس تقدماً لدبي أو الإمارات فحسب إنما هو شعلة للعرب كافة.

لم يكن يدور في ذهن أحد، ان دولة الإمارات ستصبح نموذجاً للتنمية والنمو في العالم العربي، والإسلامي، وأن تتجه انظار العالم كله لهذه البقعة من العالم.إنها نموذج لنمط التعايش السلمي بين كل الشعوب، وكل الديانات، إنها نموذج يستوجب مناقشتها، سواء في جوانبها الاقتصادية أو الاجتماعية والسياسية.

وهي بحاجة إلى الشفافية والصراحة، وحرية التعبير، وما نرجوه الا يتم قمع كل من يحاول أن يكون ترساً في عجلة هذه التجربة الجديدة، وخاصة في ظل الاتفاقيات الدولية الجديدة، وفي ظل النوافذ الإعلامية المفتوحة للجميع. كم هو جميل أن نرى من جديد مناقشات الكتاب والمفكرين ذوي الاتجاهات المختلفة في عهد جديد،

وفي الفية جديدة هي ألفية الشفافية والحرية، وحق الجميع للمساهمة في ترسيخ عالم جديد، هو عالم الابداع والعمل واحترام الرأي الآخر. نحن الآن بحاجة إلى نهضة جديدة تعيد إلى نهضة القرن العشرين ألقها، ولن تتم تلك النهضة إلا إذا عادت الحياة إلى جميع الأقلام ومن جميع الأطياف للكتابة عبر وسائل الإعلام المختلفة.

almutawa_mohammed@hotmail.com

رئيس وحدة الدراسات - «البيان»