انتحر غازي كنعان وزير داخلية النظام السوري أم انتُحر (بضم التاء) ليس هو السؤال ما دام أن الرجل قد مات وأن بلوغ الموت قد تحقق سواء بالاغتيال أم بالقتل الذاتي.
المهم هنا هو دور الرجل فقد حكم لبنان مخابراتياً طوال عشرين سنة وبصورة انفرادية واستئثارية لم تسمح لهذا البلد بأن يتنفس نسمة هواء ثم عاد من لبنان ليصبح مسؤولاً عن الأمن السياسي ثم وزيراً للداخلية ثم شاهداً أمام رئيس لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الحريري، ثم بعد ذلك ذهب الى الموت أو أرسلوه إليه حتى يموت الشاهد ويخسر ميليس واحداً من أهم الدلائل التي يحوز عليها وتثبت الادعاءات الرائجة من أول يوم من أن النظام السوري مسؤول عن اغتيال الحريري.
مقتل غازي كنعان بهذه الصورة يزيد من نسبة المشبوهية ويؤكد أن حالة التوتر التي يعيشها أركان النظام السوري عائدة الى إحساسهم باقتراب النهاية وبقرب تحرير الوطن السوري وأن موت كنعان وتغييبه عن المسرح كان خطوة ناقصة إذ بينما المراد الالتفاف حول التقرير النهائي لميليس وإجهاض أدلته جاءت النتيجة لتوسع دائرة التحقيق ولتفتح الملفات الأمنية كلها والتي تحتوي على أسماء كثيرين ماتوا في لبنان اغتيالاً وقيدت قضاياهم ضد مجهول.
ولقد جاء موت كنعان ليطرح أسئلة كبيرة أخرى تتعلق بوضع النظام السوري ومستقبله بعد أن دخل هذا النظام في عزلة عميقة عربياً ودولياً وبات عاجزاً عن ممارسة اللعبة السياسية لافتقاده لكل الأوراق المطلوبة بما فيها ورقة التفاوض مع اسرائيل.
والأسئلة هنا تقول: كيف يمكن لنظام يستشعر الخطر ويغمره الشعور بالارتكاب أن يظل على منواله ولا يصلح نفسه ولا يحاكي العصر ولا يتناغم مع الإرادة الدولية؟
بقدر ما يعبر السؤال عن الدهشة, بقدر ما ستتضاعف أسباب التعجب حين ندرك أن النظام السوري هو كنظام صدام حسين لا يدرك ارتكاباته ويصر دائماً على تمثيل دور الضحية ويواصل اعتقاده بأنه هو من يختصر مفاهيم العروبة والقومية والوطنية وأنه لهذه المعاني مستهدف ومحاصر ومنبوذ.
صدام حسين كان هكذا.. كان يرى في الأسرة الدولية عدواناً عليه ويرى الى نفسه بطلاً قومياً يجب أن يقاتل وأن العالم كله عالم شيطاني وأنه هو لوحده من يمثل دنيا الملائكة وطهرها الأبيض، صدام حسين أشهر سيوفه الخشبية وقاد شعبه الى الهلاك في مواجهة أكبر آلة حربية في العالم.
والنظام السوري ينسج على منواله لا بل إن هذا النظام بدأ يتناقض مع نفسه ففي حين يدعي براعة العمل السياسي نراه يوغل في اللجوء الى الخيارات الأمنية حتى أصبحت ارتكاباته في هذا المجال بمثابة الظواهر الطبيعية كالزلازل وحوادث السير لا تنتهي الى خلاصة سياسية ولا توصل الى هدف سياسي.
الآن بدأ النظام السوري يشعر بالارتكاب قبل صدور تقرير ميليس حول جريمة اغتيال الحريري وبدأ يشعر بقرب تعرضه لضربة عسكرية أميركية لكنه لم يدرك حتى الآن أن لا داعي للخوف من تقرير ميليس ما دام نظيف اليد من اغتيال الحريري وأنه لا داعي من توقع الضربة العسكرية الاميركية ما دام في الوقت متسع ضيق يسمح له بالرحيل وتسليم الحكم في سورية الى أهلها.
الداعي للعجب أن ناجي عطري رئيس وزراء النظام السوري بدأ يعمل وكأن الضربة آتية لا محالة فعاد الى استرجاع دفاتر صدام حسين وعنترياته وبدأ يهدد بأن أبواب جهنم ستنفتح على الولايات المتحدة إذا قررت مهاجمة سورية ومن أن الأميركيين أعجز من أن يقوموا بذلك لأن نار جهنم ستنصب عليهم وان ضرب سورية سيكون ضربة للعرب كلهم وستسجل عليهم وأن الاميركيين »لن يتمكنوا من التسلل الى الشعب السوري".
هذا الكلام المتعنتر يذكر بصدام حسين وجوقته حين هددوا بقطع رؤوس الاميركيين وتعليقها فوق أسوار بغداد لو فكروا بالاقتراب منها.. لكنهم اقتربوا ودخلوا بغداد وتفرقت الجوقة طلباً للنجاة وهرب رئيسها الى الاختباء في حفرة كما تختبئ الجرذان.
بدل أن يبحث عضو جوقة البعث السوري ناجي عطري عن طرق سليمة يصل بها الى أفضل العلاقات مع دول الجوار والعالم نراه يتعنتر ويدعي قوة غير موجودة فيه ويضع بلاده على مشارف التهلكة.
لقد انتفخت الذات عنده الى درجة جعلته لا يرى في الدنيا قوة أقوى منه فما هي أبواب جهنم التي سيفتحها على أميركا.. هل أبواب شعبه الذي لن يقاتل معه أم أبواب العرب الذين يئسوا من نظامه وتخلوا عنه؟
كيف سيفتح عطري أبواب جهنم على الاميركيين ونصف أفراد جيشه بلا كرامة يعملون خدماً في بيوت الضباط ويساقون بالسخرة الى فلاحة مزارعهم وغسيل سياراتهم وتغيير حفاضات أطفالهم؟!..
وفي ميزان القوة من تكون سورية في مواجهة أميركا وحلفائها وهي المستكينة من عقود أمام الاحتلال الاسرائيلي للجولان وتستعير أقنعة الغير من فلسطينيين ولبنانيين للقتال بهم؟
سبعون سنة والاتحاد السوفياتي كان متفرغاً لأميركا بكل عدته الايديولوجية وذخائره العسكرية وحروبه الاقليمية وقوة جيوشه وقوت شعبه والنتيجة أنه انهزم وانهار نظامه وتفرقت دوله وأصبح من علامات الماضي البغيض.
علينا أن نكون منطقيين فصدام حسين سبق ناجي عطري الى أدبيات الوهم ومقاتلة طواحين الهواء وانتهى في الآخر الى زنزانة السجن ينتظر المحاكمة في الوقت الذي كان بامكانه أن ينقذ نفسه وشعبه وبلاده من ويلات الحرب وتسليم الحكم الى الراشدين في البلد.
لكن بغياب المنطق فإن صورة »الثوار« يجب أن تحافظ على مكوناتها ولو كانت غبية فلا يكون عطري إلا نسخة عن جوقة صدام حسين ونظامه نسخة عن نظام الأشاوس المنهار في بغداد.
مقتل غازي كنعان والتصريحات المتشنجة لعطري أخذت تعطي الصورة الحقيقية للوضع وهي أن حجارة بيت النظام السوري قد بدأت تتساقط وأن المنتظر هو توالي سقوط باقي الحجارة والتي لن يمنع تدحرجها التهديد بأبواب جهنم وفبركة الأحداث الأمنية لأن البيت بحد ذاته أصبح في وجه العاصفة والريح تصفر بين جدرانه المتصدعة.