اغتيل الحريري فأحدث زلزالاً في لبنان وسورية، وشبه باغتيال غاندي الزعيم الهندي، ثم توالت الاغتيالات لرموز مختلفة التفكير والأيدلوجيا، والولاءات، إلا أن انتحار وزير الداخلية السوري غازي كنعان أضاف عقدة جديدة في حالة التماس السوري اللبناني، وهنا بدأت الإشاعات والتأويلات، وكلها تدخل في صلب التحقيقات في أمر الحريري..

اللبنانيون وضعوا الحادثة في سياقات مختلفة، فمنهم من اعتبر حديثه لراديو صوت لبنان كآخر تصريح له اعتبر وداعاً مبطناً للانتحار، وآخرون شككوا أن الحديث بصوته، وإنما مدبلج، وفي رواية أخرى أن أميركا تبحث عن شخصية مناسبة لرئاسة الحكم السوري، وأن كنعان أحد المرشحين لهذا المنصب، والروايات السورية مختلفة، وإن كانت مقتضبة.

لكن قبل أن نفهم الدوافع وراء الاغتيال، وصلتها بتحقيقات ميليس، دعونا نذهب إلى أن الوزير هدف، فهل نقبل أنه أجبر على الاغتيال، أو صُفي على كرسي مكتبه، وهل كان مثل هذا التخريج مقبولاً أم مرفوضاً طالما وصل إلى حالة التشكيك، وأن سورية، أو أجهزتها الخاصة هي من قام بدور الاغتيال؟.

هذا أحد الافتراضات، لكن ألا يمكن للسوريين، لو كانت عندهم هذه النوايا أن يلجأوا إلى حيل مقبولة أكثر، كأن يصدر بيان بهروب كنعان إلى العراق، أو لبنان، ومن ثم التوجه إلى أي دولة أخرى، ليضيع في متاهة البلدين، وسيكون هناك تصور آخر، بأنه خطف في لبنان، أو تمت تصفيته في العراق، وتصبح الحادثة فعلاً شخصياً، لا سيناريو حكومياً؟.

المشكلة ليست بالقتل، والانتحار والتصفيات التي تدخل فيها خصومات شخصية، وحكومية، وحزبية، وبالنسبة لكنعان، هناك من يعتبره أحد الضالعين في أزمات لبنان، وآخرون يرون أنه صاحب دور كبير في إعادة توحيد لبنان، وإبعاد الرموز التي ظلت سبباً في الحرب الأهلية، وأن له صداقات وعداوات مع شخصيات لبنانية نافذة، اختلفت بتقويمها للمرحوم وفقاً لمواقفها من سورية الدولة والحكم؟..

استباق الأحداث قضية عربية، لأننا شعب يعشق الإشاعة والتأويل وإضفاء ما يشبه الحقائق على الاحتمالات واعتبارها قابلة للصواب والخطأ، لكن إذا كان للبنان «حريرهم» فلسورية «كنعانهم» والصلة بين الحادثتين والشخصيتين أنهما تلتقيان في البؤر الملتهبة في لبنان، وإلى ما يدور من ضغوط على سورية، وفي كل الأحوال دعونا نتمهل فلربما تعاكس الحقائق كل هذه التأويلات..