«شنكر» حارس بيتي تحت الإنشاء، مكلّف من المقاول بالحراسة إلى حين التسليم، يعيش حياة بدائية: حمامه حفر الأرض، حنفيته زجاجة مياه، ينام صيفاً فوق السطح، ويفترش الغرف شتاءً، «شنكر» صامت أغلب الوقت لكنه بشوش، يتبعني كظلّي ينتظر أمراً أو إشارة، لكنه يتوارى أثناء مغادرتي، لعلّه يعفّ عن السؤال من خلال النظرات الأخيرة، وهي عادة مَنْ في مثل بؤسه.

رأى «شنكر» في أحد الأيام شخصاً معي، غاب قليلاً ثم عاد حاملاً زجاجة ماء جديدة، كانت الزجاجة في الجوّ الحار والرطوبة العالية بمثابة طوق نجاة، قدّمها لصديقي وابتسامة على محياه، تناول ضيفي الزجاجة بطريقة توحي بأن من واجب «شنكر» أن يقدم له الماء البارد، لكن قبل أن يفتح الزجاجة سأله بالهندية متحققاً: ما اسمك؟ أعاد إليه الزجاجة بعد أن عرف اسمه وتمتم ساخراً بلغة عربية: «خيبة، هذا هندوسي».

تراجع «شنكر» بزجاجته لا يدري ما يقول، بينما ضيفي يواصل أسئلته عن البيت كأنّ «شنكر» كائن هلامي، أما أنا، فبقي بالي مشغولاً بمشاعر «شنكر» وتحليله للواقعة والسبب الذي جعل ضيفي يرد إليه زجاجته لم أشأ أن أكلّم ضيفي في الموضوع، فرأيي كان سيصدر قاسياً، وأكثر الرأي رفقاً أن أذكّره بقوله تعالى: «وإذا حييتم بتحية فحيّوا بأحسن منها أو ردّوها».

وهو في كل الأحوال ضيف واحترامه واجب، وبمغادرته بحثتُ عن «شنكر» الذي كان واقفاً خارج البيت متأملاً الغروب. لم أعرف ماذا أقول، فلا أنا أعرف الهندية ولا هو يعرف العربية، واللغة المكسّرة المشتركة بيننا، لا تنفع لشرح موقف مثل هذا، لكن لم أستطع السكوت والمغادرة بينما السؤال: «لماذا رفض أن يشرب الماء بعد أن عرف اسمي؟» يضرب على رأس «شنكر» الذي لم ينل حظاً من التعليم ولا يعرف شيئاً عن الناس هنا ولا عن أفكارهم ومعتقداتهم وخزعبلات رؤوسهم.

توكّلت على الله وقلت له: «أنا مسلمان، أنا سير بلاد ما في مسلم، ما في قول حق نفرات اسم مال أنا، ممكن في مشكل هو يعرف أنا مسلم» رغم أن هذا لم يحدث مطلقاً، وهذا يحتاج إلى تفكير، لكنها الطريقة الوحيدة لإفهام «شنكر».

فهم «شنكر» على ما بدا لي نصف الموضوع، فكان لابدّ من الاستمرار، فاستطردت قائلاً: «اسم مال أنت نفرات معلوم أنت في هندوسي، ممكن في مُشْكِلْ، قول حق نفرات اسم مال أنت رشيد».

ابتسم «شنكر» بعد أن فهم الحكاية، وأحسست أنه اطمأنّ إلي، وأنه عرف شيئاً مهماً، وأثناء ذلك رفع المؤذن أذان المغرب، فقلت بينما أشير إلى الأذان: «نفرات مسلم ما في سيم سيم، في نفرات صلّي بس هذا ما في زين» وأشرت على صدري.

لكن «شنكر» ليس الوحيد الذي يجب أن يصبح «رشيداً» في مجتمعاتنا، بينما لم نسمع في المجتمعات الأخرى أن «رشيد» يصبح «شنكر» أو «عوني» يصير «طوني» أو إسماعيل ينقلب «ميخائيل»، فالتُقية اختراع إسلامي ـ إسلامي ولا ينكر المرء أن مللاً كثيرة كانت تتقي وتخفي عقيدتها في زمن ما، أيام محاكم التفتيش الإسبانية مثلاً، لكنهم تحضروا وتجاوزوا هذه الأمور إلا قلة منهم، وبقينا في محلاتنا أسراراً (جمع محلّك سر) إلا من رحم ربي.

صحيح أن الشريعة حرّمت الأكل من طعام غير أهل الكتاب، لكن زجاجة الماء لم تكن من صنع أو إعداد «شنكر» الهندوسي، بل إنّ الماء لا يندرج تحت بند التحريم، فقط الذبائح هي المحرّمة والشريعة حين حرّمت ذلك، ليس طعناً في أخلاق هؤلاء القوم أو خوفاً من وضعهم السمّ في الأكل والشرب المقدّم للمسلم كما يتصوّر بعضنا، لكن لأمور تتعلّق بطريقة الذبح أو الإذكاء حسب المصطلح الشرعي ثم إن الذي يراقب أعماله ويعرضها على ميزان الشرع ويتحرّى في كل الأمور، يستطيع أن يأخذ الزجاجة ويسقيها سيارته، فهل السيارة، وهي مصنوعة في بلاد الكافرين، محرّم عليها الأكل والشرب من طعامهم وشرابهم؟.

لكن أحدهم خرج من هذه الإشكالية الفقهية بحيلة يخدع بها نفسه ليس إلا، فهو موظف في جهة حكومية وفي القسم الذي يعمل به يوجد مستخدمان اثنان، أحدهما مسلم والآخر هندوسي، والمشكلة أن المستخدم المسلم لا يتقن إعداد فنجان القهوة ولا يتقن عمله عموماً بينما الهندوسي بارع في عمله، وهذا يحتاج إلى تفكير أيضاً.

حيلة صاحبنا هي أن يأمر المستخدم الهندوسي بأن ينطق الشهادتين وهو يقدم له فنجان القهوة، و«بابو» البارع في عمله ينطقها كالببغاء وهو يضحك، وحق له أن يضحك على هذا الجهل المركّب بعلوم الشريعة وبالمنطق، وبذلك يصبح «بابو» مسلماً في نظر صاحبنا وبالتالي يستطيع شرب القهوة ملتزماً من يد أخيه المسلم اللفظي أو الهزلي.

أليس بيننا رجل رشيد يضع النقاط فوق حروفنا العشوائية؟ إلى متى نظلّ نعامل الناس باستعلاء مصدّقين أننا مازلنا خير أمة أُخرجت للناس؟ بلى نحن كذلك لكن بشروطها، فهل هي متوافرة الآن؟ ثم أين دور التوعية الدينية؟ وماذا يقال في آلاف الأطنان من المحاضرات والأشرطة والنشرات والكتب الدينية؟

إن كان نصفها حديثاً عن الحور العين وعذاب القبر وأهوال القيامة، فحري بها أن تُخصص النصف الآخر للحديث عن العذاب الذي نسببه للآخرين باسم ديننا وتسبّبنا بقصد وجهل في نفور الناس منّا ومن إسلامنا.

ahmed_amoro@hotmail.com