تعيش دولة الكويت هذه الأيام إرهاصات استحقاق سياسي كبير كان محل جدل «صامت» طوال خمس سنوات، لكنه بدأ يخرج إلى العلن وإلى صفحات الجرائد منذ عامين، فيما شهد ذروته الأسبوع الماضي بعد تصريحات رئيس الحرس الوطني الشيخ سالم العلي في ظل تطورات الحالة الصحية لولي العهد الشيخ سعد العبدالله الموجود منذ نحو ثلاثة أشهر في رحلة علاجية في الخارج، فيما تثير صحة الأمير قدراً من القلق إذ عانى طوال العامين الماضيين من أكثر من عارض صحي كان آخرها في يونيو الماضي.

وما أثار هذا الاهتمام أن هذا التحريك لملف الخلافة جاء على لسان قطب كبير في أسرة آل الصباح ويعتبر عميدها حيث يتمتع بنفوذ واسع داخلها (وإن كان لايقارن بنفوذه غير الواسع داخل السلطة التنفيذية حيث تتسم العلاقة بينه وبين رئيس الوزراء الشيخ صباح الأحمد بالندية وعدم الانسجام)،

ولكن تصريحاته لا يمكن أن تكون خارج سياق، أو بعيدا عن حركة داخلية بين أفراد من الجيل الثاني من رجال آل الصباح الذين يرى كثير منهم أن ميزان القوة والنفوذ يميل لصالح فرع الجابر، وهو ما يغير قاعدة التوازنات داخل الأسرة والمعمول بها منذ عقود طويلة لجهة توزيع النفوذ بين فرعي الجابر والسالم.

وتصريحات سالم العلي السالم الأخيرة لا تخرج عن كونها محاولة لإثبات الوجود حتى لا تتجاوز الأحداث فرع السالم الذي ضعفت سطوته مع مرض الشخصيتين القويتين فيه: ولي العهد الشيخ سعد العبد الله ونائب رئيس الوزراء الأسبق الشيخ سالم الصباح، فضلا عن الوفاة المفاجئة لوزير الدفاع الأسبق الشيخ علي الصباح.

وتدخل تصريحات سالم العلي في إطار «رب ضارة نافعة» فإن هي وضعت الكويت وأوضاعها الداخلية في بؤرة الضوء وجعلت التباينات داخل أسرة آل الصباح حديث الفضائيات فإن التعامل معها بحكمة، بعيدا عن ردود الفعل والتصارع على النفوذ لحسمها وترتيب البيت داخليا بجهة ترتيب المستحقين لصعود سلم السلطة والحكم، هو في صالح البلاد واستقرارها. وهي مهمة صعبة تقع على كاهل الشيخ جابر الأحمد.

فالشيخ جابر الذي صقلته التجارب والخبرة السياسية طوال نحو نصف قرن من ممارسة السياسة وخوض غمارها مطالب الآن بوضع النقاط على الحروف في شأن قد يكون الأهم الذي يواجه آل الصباح بعد تجربة 1990 القاسية، فالقرار الذي سيتخذه سيشكل «دستورا» و«خريطة طريق» للأسرة الحاكمة لنصف قرن مقبل على أقل تقدير.

وما يزيد من صعوبة المهمة الملقاة أن هناك الكثير من الشبان الواعدين المتعلمين داخل الأسرة، إلى جانب فروع أخرى غير السالم والجابر من نسل مبارك الكبير (الذي ينص الدستور على خروج الحاكم منها) تلح، وبعضها عبر الصحف، إلى حقها في الوصول إلى الحكم بعدما تجاوز هذا الحق الآباء.

وإذا كان حكم الشيخ جابر الذي دام أكثر من ربع قرن وقبله نحو 12 عاماً كولي عهد ورئيس وزراء نجح في بناء الكويت الحديثة فالأمر يعود في كثير من جوانبه إلى فريق العمل الذي كان معه.. الشيخ سعد والشيخ صباح (رئيس الوزراء) فالثلاثة من جيل واحد وكانوا على درجة من التقارب تكفي لتوزيع المسؤوليات بينهم من دون حدوث تصادم، ولكن هذا التناغم قد لا يتوافر حاليا.المهمة ليست هينة، والقرار يجب أن يكون استراتيجيا، يضع في الحسبان مستقبل واستقرار الكويت.

nidal@albayan.ae