لفت الانتباه، في خضم كارثة الزلزال في شبه القارة الهندية، تصريح رئيس فنزويلا هوغو شافيز بتحميل الرأسمالية مسؤولية الكوارث الطبيعية. في ظاهر الأمر يبدو التصريح هزلياً، أو بالأحرى، عدمياً، لكن في باطنه ما يمكن تسميته بـ «الحقيقة السوداء». فالزلازل تحديداً، منتج حركة طبقات الأرض، وهذه الحركة، أما طبيعية (حرارة باطن الارض) واما بفعل فاعل، والمقصود بالطبع هو التجارب والتفجيرات النووية.

فقراء الهند وباكستان، دفعوا الثمن مضاعفاً: الحرمان من مليارات الدولارات ومستوى معيشي آدمي، جراء سباق التسلح النووي.. وفقدان الحياة بين انقاض أشباه البيوت.طبعاً، في الذاكرة تقارير الامم المتحدة عن تأثيرات الحياة الصناعية الغربية المجنونة على درجة حرارة الارض، والتوقعات بوصولها الى درجة الغليان (مئة درجة) بعد آلاف السنوات.

نعم هناك أصابع بشرية، وراء بعض الكوارث الطبيعية، ولو من وراء حجاب. لكن مناقشة الامر هذا تغدو عبثية لدى الرأي العام، كونها ليست ملموسة، ولا يحسها المرء بشكل مباشر،إذن لنبق في المباشر، أي الكوارث من صنع البشر.قبل برهة من الزمن، علقت في الذاكرة، حلقة من برنامج توثيقي اميركي. هذه المرة عن الصومال.

تقول حكاية الحلقة المأساة، إن عادة تزويج البنات وهن شبه طفلات منتشرة هناك، ولأن أجسام هؤلاء الصغيرات لما تبلغ درجة الاستعداد للحمل بعد، فان الولادة تكون اشبه بحكم الإعدام. ومن كثرة الشد خلال الولادة يتمزق جزء من المثانة، ولان حياة البؤس التي يعشنها كغيرهن، لا تؤمن أي نوع من الرقابة الصحية فان التمزق هذا يتحول الى ثقب باق.

المأساة تبدأ من هنا، يظل البول ينز باستمرار من هذه الثقوب، ومن دون قدرة الطفلة الأم على السيطرة عليه، فتصبح رائحتها عفنة. الأهل يتخلصون منها، وقبلهم الزوج، الجيران ينبذونها، غالباً طفلها ما يموت، وتعيش في كشك أو سقيفة قش لوحدها بقية العمر.

المنظمات الغربية الخيرية، ورغم الأهداف المشبوهة ونظريات المؤامرة التي احترفناها حتى احترقنا عبثا، سارعت الى الاهتمام بهذه الظاهرة . من بين المتطوعين طبيبة عربية من مصر. وهنا كانت المفاجأة، إذ لم نعتد على عربي يهتم بهذا الترف الانساني ويذهب الى مناطق شظف العيش للتخفيف عن آخرين.

الطبيبة جهدت في عمليات جراحية لسد هذه الثقوب، ومن بعد التأهيل الصحي، التأهيل الاجتماعي والدراسي والاقتصادي ايضا. لحظة خروج المشاهد من انقباض الصدر كانت حين رأى احدى الضحايا وقد اصبحت طبيبة تداوي مصيبة من لحقنها على طريق المأساة هذه.

لا عبر مما قيل سوى ان الاحداث الكبرى تشدنا، ونتفاعل مع أم فقدت طفلها تحت انقاض زلزال باكستان، لكننا لا ننتبه الى انه بين جنباتنا مآس اشد ألما من الكوارث الطبيعية.للضحايا كل الرحمة الإلهية، ولنا طيب البقاء الساكن.