أسالت محاكمة الصحافي تيسير علوني أحباراً كثيرة في مختلف صحف العالم وفي قنوات التلفزيون ومحطات الإذاعة. الموضوع يتعلق بمحاكمة سياسية لممارسة إعلامية كانت وفق وحسب المعايير العالمية لأخلاقيات الصحافة سليمة ووفق الأصول. لكن القضاء أراد أن يحاكم حرية الكلمة وحق الجمهور في التعرف على الرأي الآخر، وفي معرفة أطروحات وآراء الطرف الآخر.

ما حدث في مدريد ما هو إلا نتيجة حتمية لتراجع حرية الصحافة بعد الإعلان عن الحرب على الإرهاب وبعد أحداث 11 سبتمبر 2001. فالمضايقات والمحاكمات والسجن وبعض الأحيان التصفية الجسدية أصبحت ممارسات عادية وروتينية تحدث في جميع أنحاء العالم حتى في أقدم الديمقراطيات وأعتق الدول التي تتغنى وتفتخر بالحريات الفردية وحقوق الإنسان.

تتراجع حرية الصحافة يوما بعد يوم في جميع أنحاء العالم، وحتى في الدول المسماة بالديمقراطية والمتقدمة والعريقة في ممارسة الحريات الفردية وحقوق الإنسان نلاحظ تقهقراً واعتداء مخيفاً على مبدأ أساسي من مبادئ الديمقراطية والحرية. في العام الماضي تعرض أكثر من 1500 صحافي لمضايقات واعتداءات وتجاوزات من قبل السلطات وغيرها من القوى التي تريد إسكات وسائل الإعلام في تقديم الحقيقة وكشف المستور.

كما تشير الإحصاءات كذلك أن هناك أكثر من 700 صحافي اُعتقلوا وسُجنوا خلال عام 2004. وهكذا إذن نلاحظ أن حرية الصحافة غير متوفرة وغير مضمونة في أكثر من نصف بلدان العالم. كما لاحظنا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 تراجع خطير في حرية الصحافة في العالم وخاصة في الولايات المتحدة الأميركية التي اخترقت الكثير من المبادئ التي كانت تؤمن بها في هذا المجال.

وباسم الحرب على الإرهاب شنّت أميركا حرباً شعواء على كل ما هو عربي وإسلامي بحق وغير حق وضربت عرض الحائط الحريات الفردية وحرية التعبير والرأي والفكر. يوم بعد يوم يكتشف العالم اغتيال حرية الصحافة على الهواء وعلى المباشر في العدوان الأميركي البريطاني على العراق.

فهذا «بيتر أرنت» يُفصل من عمله في شبكة أن.بي.سي الأميركية ويُتهم بالخيانة العظمى لا لشيء إلا لأنه قال الحق في مقابلة مع التلفزيون العراقي. وتأتيك أخبار عن احتجاج السفير الأميركي في لبنان على تغطية تلفزيون المنار للعدوان. كما نقرأ في الأخبار الاعتداء على موقع الجزيرة في شبكة الانترنت وتحطيمه والقضاء عليه نهائياً.

كما ضربت قوات الحلفاء عدة مرات التلفزيون العراقي. فالتعديل الأول في الدستور الأميركي والذي يتغنى به الأميركيون ويقدّسونه ويمجدونه يحمي مهنة الصحافة ويحمي الصحافي من أي تدخل أو اعتداء أو ابتزاز أو استغلال من أية جهة كانت حتى لو كانت الحكومة الأميركية أو الرئيس الأميركي.

لكن ما نلاحظه هذه الأيام عن الممارسة الإعلامية في نقل الأخبار حول العدوان الأميركي البريطاني على بغداد هو تداخل خيوط الاحترافية والمهنية مع الدعاية والتضليل والتعتيم وتبني مبدأ الغاية تبرر الوسيلة وأن المبادئ والقيم والأخلاق التي تسيّر وتدير الممارسة الإعلامية أصبحت مهجورة وغير مطبقة في معظم الأوقات. في الفترة الأخيرة لاحظنا محاكمة حرية الصحافة في مدريد من خلال محاكمة الكلمة الحرة. الصحافي تيسير علوني حكم عليه القضاء الإسباني بالسجن لا لشيء لأنه أجرى مقابلة صحافية مع أسامة بن لادن.

من أهم المآخذ التي تسجل ضد وسائل الإعلام في العالم بأسره هي فشلها في تجنب العدوان على العراق رغم أن الرأي العام في معظم دول العالم بما فيها الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا كان معارضاً للعدوان وأن شعوب العالم خرجت بالآلاف في مسيرات ومظاهرات في معظم عواصم العالم تندد بالحرب وتعبر عن معارضتها لأي عدوان على الشعب العراقي.

كما نلاحظ العديد من النزاعات والحروب في أجزاء أخرى من العالم وفشل الدبلوماسية ووسائل الإعلام في تفاديها. فالمؤسسة الإعلامية مؤسسة اجتماعية بالدرجة الأولى ومسؤولة أمام المجتمع بفئاته وشرائحه الاجتماعية المختلفة. والمسؤولية هنا تعني الالتزام المهني والأخلاقي بتوجيه الرأي العام في الاتجاه الصحيح والصائب والذي يصب في المصلحة العامة.

والمسؤولية هنا تتطلب أخلاقيات توّجه المهنة وتقننها وتجعلها تعمل وفق ضوابط ومعايير تضمن النزاهة والالتزام بتقديم الحقيقة وخدمة الرأي العام والمصلحة العامة. هذا يعني أن العمل الإعلامي بحاجة إلى دقة وموضوعية وعدم انحياز، والانحياز الوحيد يجب أن يكون في اتجاه الحقيقة وكشف كل الحقيقة للمجتمع من أجل إخباره وإبلاغه حتى يكون هناك رأي عام مبني على الوقائع والأحداث والإحصاءات

وهذا ما يؤهله لمراقبة السلطة في المجتمع وممارسة حقوقه السياسية والمشاركة في صناعة القرار. فمن الرسائل النبيلة والمهام الجوهرية لمهنة الصحافة نشر السلام والسلم والأمان والاستقرار والمحبة والتسامح والحوار بين الشعوب والثقافات والأمم.

وهنا نلاحظ، مع الأسف الشديد، أنه بدلا من خدمة السلام والسلم والأمن والاستقرار نجد أن وسائل الإعلام تشجع على الاستعمار والعدوان والاستغلال وتتحول من مجرد التغطية الإعلامية وتغطية الأحداث إلى التضليل والتعتيم والتركيز على قضايا دون قضايا أخرى والتصفيق والتشجيع والتطبيل لنتائج وإهمال نتائج أخرى وهنا نلاحظ تحول المؤسسة الإعلامية من أداة سلم لأداة حرب تشحن القلوب وتهيّج العواطف لخدمة الحرب التي تكرّس هي بدورها لخدمة مصالح حفنة من التجار على حساب مئات الملايين من البشر.

في زمن السلم أو الحرب يبقى الجمهور هو الحلقة المحورية في عملية الاتصال والجمهور له الحق حسب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في الاتصال وفي الحصول على الأخبار والمعلومات بكل صدق وموضوعية والتزام لأن ما يحصل عليه الفرد في المجتمع من أخبار ومعلومات هو الذي يحدد إطاره المرجعي وصورته الذهنية وبذلك سلوكه وتصرفاته فيما بعد.

فالموضوع هنا إذن استراتيجي ومهم والتلاعب بمهنة الإعلام والتلاعب بالمعلومة قد تكون له انعكاسات جد وخيمة على السلوك المسؤول والرشيد في المجتمع. فرهانات الإعلام في زمن الحرب تكون أهم بكثير من العمليات العسكرية في مسرح المعارك ورهانات ومسؤوليات الإعلام في زمن الحرب تكون أكثر بكثير من رهاناته في زمن السلم. الأمر إذن يتعلق هنا بالأفكار والعقول والمواقف والعواطف. فدعاية جوبلز أدّت بالشعب الألماني بكامله بتبني حرب لم يكن بحاجة إليها

لكن موقفه منها وبخاصة موقف وسائل الإعلام أدى إلى حرب عالمية بقيت انعكاساتها وتداعياتها قائمة حتى اليوم. ونفس الشيء يقال عن حروب استغلالية واستيطانية وعدوانية عانت منها البشرية الكثير منذ عصور خلت. وفي كل هذا يبقى الضمير الإعلامي يؤنّب كل إعلامي في العالم كان باستطاعته أن يفعل شيئا لتجنب الحرب لكن بدلا من ذلك نجده ساكتا أو متواطئا مع قوى همّها الوحيد هو المصالح والمكاسب المادية حتى ولو كانت على حساب عشرات الآلاف من الأطفال الأبرياء والمواطنين العزل.

الالتزام باحترام المهنة والدفاع عنها وحمايتها من كل من يحاول المتاجرة بها أو استعمالها لأغراض غير المصلحة العامة وأغراض المجتمع هي التحديات الكبرى التي تواجه الصحافيين في جميع أنحاء العالم وعندما نقول هنا المصلحة العامة وأغراض المجتمع قد نقصد مصلحة الإنسانية جمعاء وأغراض البشرية في جميع أنحاء العالم.

فالإعلام بإمكانه أن يكون وسيلة سلم وحوار وتقارب بين الشعوب وبإمكانه أن يكون وسيلة دمار ودعاية وتضليل وتشويه يهدّم ويخرّب أكثر مما يبني ويخدم الإنسانية والبشرية جمعاء. ومع الأسف الشديد ما زلنا في بداية القرن الحادي والعشرين نعاني من التضليل والتعتيم والتشويه ومن الصور النمطية والدعاية والحرب النفسية، وأصبحنا نتعرض لرسائل إعلامية ومنتجات ثقافية تجعل من المحرر والمظلوم ظالما وإرهابيا وتجعل من المستعمر الغاشم، المسالم والديمقراطي والمحب للأمن والسلام في العالم.

وهكذا تدهورت القيم والمبادئ وانحطت الأخلاق وأصبح الجمهور يشاهد صور الأطفال الأبرياء في العديد من دول العالم وهم يتعرضون للقتل والبطش والاستغلال، والضمير الإنساني غائب أو مغيّب، والآلات والأنظمة الإعلامية التي تحولت إلى أبواق ووسائل دعاية تبرّر التصرفات والسلوكيات الوحشية والهمجية لتجار الحروب والأسلحة.

حرية الصحافة تُغتال هذه الأيام من خلال مضايقات الصحافيين ومحاكمتهم وسجنهم ومن خلال الانتهاكات العديدة للحريات الفردية والعالم يتفرج وضمير البشرية ساكت. ويمكن القول هنا إن العلاقات السياسية الدولية والعلاقات الاقتصادية الدولية ومختلف المنظمات والمؤسسات الدولية قد أفلست أخلاقياً

وأصبح يديرها ويقودها منطق المال والقوة وتجار الحروب والأسلحة وخبراء الدعاية والحرب النفسية. محاكمة تيسير علوني في إسبانيا هي، في واقع الأمر، محاكمة لحرية الكلمة وحرية الرأي ومحاكمة لمبدأ أساسي من مبادئ الديمقراطية واحترام إنسانية الإنسان وكرامته وشرفه باسم الحرب على الإرهاب.

كلية الاتصال ـ جامعة الشارقة