قفاز بشري عالق بالأسلاك الشائكة، بقايا ملابس ممزقة تحمل رائحة عرق الأجساد السوداء المتهالكة، دماء متناثرة في أرجاء المكان، أصوات طلقات رصاص مطاطي و غير مطاطي، أسباني و مغربي، جثث مبعثرة، هرج ومرج، خوف وصراخ، عيون زائغة تفر من شظف العيش وقسوة الحياة، محاولات للهرب في أي اتجاه، سعي وراء الرزق ـ الموت.

لا يتعلق ما سبق بحالة أدبية توظف اللغة من أجل التأثير على القارئ المسترخي الآمن، ولا يتعلق بأجواء حرب معلنة يمارس فيها كافة الأطراف حرية القتل، وربما التعذيب، لكن الأمر يتعلق هنا بحالة أفراد، بشر مثلي ومثلك أيها القارئ العزيز، يبحثون عن العمل والحياة الكريمة الآمنة.

في زحمة الكوارث العالمية التي تطالعنا بها الصحف ووكالات الأنباء ليل نهار، تصدرت الأسبوع الماضي أخبار المهاجرين الأفارقة من دول جنوب الصحراء، إضافة إلى المغرب والجزائر، عناوين الأخبار العالمية والعربية وبالطبع الأفريقية. ولأن الخبر يتعلق بأسبانيا، وبالتبعية أوروبا، فقد حصل على اهتمام اخباري واعلامي كبير.

ما حدث أن المهاجرين من دول جنوب الصحراء الأفريقية التي تشمل فيما تشمل مالي والسنغال وغينيا والنيجر وغانا والكاميرون وبوركينا فاسو ونيجيريا وساحل العاج... إلخ، قد اقتحموا الحواجز التي تفصل بين المغرب ومدينتى سبتة ومليلية المغربيتين الواقعتين تحت الاحتلال الأسباني، بوصفهما نقطتى العبور الأخيرتين نحو الوصول إلى أوروبا من أجل البحث عن عمل ومن أجل الاستقرار النهائي.

وعلى ما يبدو أن فعل الاقتحام ـ الانتحار الذي قام به هؤلاء المهاجرون السريون كما يطلق عليهم، قد فاجأ كلا من قوات الأمن المغربية والأسبانية على السواء، الأمر الذي أدى إلى استخدام الرصاص ضد هؤلاء المهاجرين مما أدى إلى مقتل ما يقرب من أربعة عشر مهاجراً حتى الآن، بعضهم مات بالرصاص، والبعض الآخر مات سحقا تحت أقدام المندفعين من المهاجرين!!

ولا يعرف حتى الآن من استخدم الرصاص ضد هؤلاء المهاجرين، هل هى قوات الأمن الأسبانية، أم قوات الأمن المغربية، أم كلاهما، فقد أنكر كل منهما الأمر حتى الآن!! لقد فر هؤلاء المهاجرون من دول بالغة الفقر، بل هى الأفقر عالميا. فدول جنوب الصحراء تعاني من تدني مستويات الدخل الفردي مقارنة بالدول النامية الأخرى، كما أنها تعاني من ضعف وتدني الخدمات الصحية والتعليمية والتنموية.

وربما لا يعلم الكثيرون أن معظم هذه الدول تعاني من أعلى معدلات الإصابة العالمية بمرض فقدان المناعة، المعروف باسم الإيدز. بل إن بعض هذه الدول مهدد بالانقراض جراء تزايد الإصابة بمرض الإيدز بين قطاعات واسعة من المواطنين هناك. ولم يكن ينقص هذه الدول، إضافة إلى الظروف اللاإنسانية السابقة، سوى تفجر النزاعات العرقية والحروب الأهلية، التي أتت على الأخضر واليابس،

ولم تترك للمواطنين أية فرصة سوى الفرار من بلدانهم بحثا عن أية فرصة من أجل العمل والحياة الكريمة. وإذا كانت الحياة في أوطانهم بين أدران الفقر والمرض المتفشيين من جانب، وبين الحروب والنزاعات القبلية والإثنية من جانب آخر، هى الموت بعينه، فإن ما سوف يواجهه هؤلاء المهاجرون السريون أيا كان لن يزيد عما يواجهونه في بلادهم، فهى هجرة أشبه بالمستجير من الرمضاء بالنار.!!

يخرج هؤلاء المهاجرون السريون من بلدانهم، حيث يخترفون الصحراء لمسافة مئات الأميال، حسب موقع بلدانهم من دول العبور التي يتوجهون إليها، حيث يصلون أولا إلى الجزائر، ليعبرونها متجهين إلى المغرب، ومنها إلى قبلة تجمعهم المتمثلة في مدينتى سبتة ومليلية الواقعتين على الحدود الأسبانية، المعبر الأخير للحلم، أوروبا. يقطع المهاجرون هذه الرحلة سيرا على الأقدام لمدة شهر أو شهرين حتى يصلون إلى الجزائر، يسيرون في تجمعات، وفي كل مرحلة يدفعون لمنظمي هذه الرحلات ومرشديهم.

وفي أعقاب ما حدث الأسبوع الماضي، خرجت الأنباء لتعلن بأن هناك الآلاف من هؤلاء المهاجرين مازالوا ينتظرون على الحدود الجزائرية المغربية في انتظار دخولهم المغرب، ومنها إلى أوروبا، بينهم العديد من النساء والأطفال الذين يواجهون ظروفا خطيرة تودي بحياة العديد منهم، بسبب نقص المياه والمؤن، إضافة إلى القيظ الصحراوي الشديد. لقد كشفت أحداث سبتة ومليلية عن مدى المخاطر المرتبطة بظاهرة الهجرة غير الشرعية؛

فمن ناحية ترفض أسبانيا استقبال هذه الهجرات، يساعدها في ذلك الاتحاد الأوروبي الذي يخشي من الزحف الأفريقي على أوروبا، وبرامجها التنموية والحضارية. لقد قامت أسبانيا بارسال قوات عسكرية مدججة بالأسلحة لمواجهة غارات المهاجرين القادمة من أفريقيا، كما أنها قد قامت بترحيل ما يقرب من المئة مهاجر إلى المغرب مرة أخرى الأسبوع الماضي.

وبالتوازي مع الاجراءات الأسبانية الصارمة، قامت الحكومة المغربية بإعادة المئات من المهاجرين إلى مناطق الحدود الجزائرية المغربية في ظل ظروف بالغة القسوة واللاإنسانية. وفي تصوري فإن الحلول الأمنية والإجراءات المتشددة التي قامت بها كل من أسبانيا والمغرب لن توقف موجات الهجرة غير الشرعية المتواصلة من دول جنوب الصحراء إلى أوروبا.

كما أن رغبة أسبانيا في توسيع دائرة المفاوضات مع دول العبور لتشمل الجزائر وموريتانيا إضافة إلى دول جنوب الصحراء التي تنطلق منها هذه الهجرات والتي تشمل بشكل أساسي كلاً من مالي والسنغال والنيجر والكاميرون قد يؤدي إلى التخفيف مؤقتا من حدة هذه الهجرات غير الشرعية، لكنه لن يوقفها.

ولعل فيما أعلنته السلطات المغربية من أنها قد أحبطت 25900 محاولة هجرة سرية، منها 20 ألف محاولة قام بها أشخاص من دول أفريقيا جنوب الصحراء، ما يكشف عن تنامي عدد هذه الهجرات رغم كل الاجراءات الأمنية المستخدمة من قبل دور المقصد، أو دول العبور، أو دول الانطلاق.

وفي رأيي أن الأمر يستدعي هنا وقفة أوروبية وأفريقية جدية وحقيقية يمكن من خلالها مساعدة هذه الدول الفقيرة على حل مشكلاتها السياسية من جانب، والبدء في تأسيس تنمية حقيقية تستقطب العاطلين عن العمل، وترفع مستوياتهم المعيشية من جانب آخر.

واعتقد أن أوروبا الاستعمارية تتحمل جانباً كبيراً مما يحدث في أفريقيا اليوم، بل إنه يمكن القول أن ما قد تمنحه أوروبا لأفريقيا اليوم ما هو إلا جزء ضئيل مما نهبته من خيرات القارة عبر تاريخها الاستعماري الطويل، وما تسببت فيه من انقسامات عرقية وإثنية في طول القارة وعرضها. ومن أسف أن أوروبا على ما يبدو مازالت تنحو نحو الحلول الأمنية التي تجعل من أسبانيا الحارس الدموي، الراغب في رؤية مشاهد الجثث العالقة بأسوار الموت الأسبانية!!

كاتب مصري ـ جامعة الإمارات