للمرة الثالثة يحصل عربي على جائزة نوبل للسلام، كان الأول الرئيس المصري أنور السادات، كوفئ معه مناحيم بيغن، الثاني الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، كوفئ معه إسحاق رابين، والثالث محمد البرادعي، كوفئت معه الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

في حالتين من الثلاث إسرائيل كانت حاضرة بصورة مباشرة: العربي الجيد هو العربي المسالم حتى لو كان شريكه الإسرائيلي، كما في حالة بيغن الذي عاد فأشرف على حروب انتهت بمجازر (صبرا وشاتيلا)، أما في الحالة الثالثة فيصعب علينا ألا نلاحظ الحضور الإسرائيلي، حضور على شكل غياب أي أن الجائزة منحت لمن ارتضى تغييب إسرائيل عن حقل عمل الوكالة.

قد يتعرض البرادعي إلى حملة في بعض وسائل الإعلام العربي ولكن حتى لا تكون الحملة ظالمة يجب أن نستذكر دائما انه رجل في منصب دولي مهم وان عليه أن يأخذ التوازن الدولي في الاعتبار عند قيامه بمهماته، غير أن ذلك لا يمنع إطلاقا من ملاحظة الواقع المرير التالي: لقد حاز البرادعي والوكالة على الجائزة الدولية لأنهما، بالضبط، لم يقوما بعملهما كما يجب ووفق المعاهدة المؤتمنين على تنفيذها من جانب المجموعة الدولية، لم يقوما بعملهما لأنهما منعا من ذلك.

لو أردنا تطبيق أحكام المعاهدة لكان وجب أن تكون إسرائيل في خط المرأى للوكالة الدولية، فهي دولة تطور برنامجا نوويا عسكريا منذ أواسط الخمسينات وترفض الانضمام إلى الوكالة، وترفض إجراءات التفتيش وتحتفظ بـ «غموض بناء» في ما يخص ترسانتها، وهكذا فلو كان العالم عادلا لكان وجب منح الجائزة إلى مردخاي فعنونو الذي كشف بعض أسرار «ديمونا»، واختطف خلافا للقانون وأمضى سنوات مريرة في السجون الإسرائيلية ولكن...

إن حصيلة عمل البرادعي على رأس الوكالة ملتبسة، ففي ما يخص العراق مثلا لم يروج الرجل الأكاذيب التي كانت الإدارة الأميركية تتولاها وتريدها، ويذكر الجميع تحفظه عند إدلائه بشهاداته أمام مجلس الأمن وتميزه بذلك عن هانز بليكس الذي لم يكن نزيها إلا بالمقارنة مع سلفه ريتشارد بتلر. ولقد لعب البرادعي دورا في عدم نجاح أميركا في استصدار قرار يجيز الحرب ثم جاءت الوقائع لتثبت لاحقا انه كان إلى جانب الحقيقة أكثر من كثيرين غيره.

ولم يخرج البرادعي كثيرا عن دوره المحايد في ما يخص الملف الكوري خاصة وان كوريا هي التي بادرت إلى الانسحاب من المعاهدة قبل أن تعود إليها نافيه أي دور ملموس لها. إلا أن الالتباس الكبير يبقى في الموضوع الإيراني فالبرادعي من حيث المبدأ يشرف على البرنامج النووي هناك ويراقبه ويرسل لجان التفتيش وينصب الكاميرات ويقدم التقارير التي تقول أن الوكالة لم تجد أي ممنوع يوحي باقتراب طهران من عسكرة أبحاثها.

إلا أن البرادعي لا يقاوم كفاية الضغظ الأميركي والأوروبي من أجل فرض شروط على إيران لا تنص عليها المعاهدة، لا بل تنص أحيانا على عكسها والواضح في المرحلة الأخيرة، أي بعد التمديد له، أن مقاومته تراجعت بحيث أمكن اتخاذ قرار ولو ملطف بإحالة الموضوع على مجلس الأمن.

وإذا كانت الحجة الأميركية والأوروبية لحرمان إيران من حقها، بحسب نصوص المعاهدة، أنها أخفت في السابق جوانب من برامجها، فإن البرادعي لم يرفع الصوت كما يجب ليقول انه حتى هذه الجوانب المخفية لا تتعارض إطلاقا مع بنود المعاهدة.

يبدو «نوبل الجديد» متردداً في هذا المجال. لقد كان عليه أن يلاحظ المشهد العام، فهذا المشهد يقول إن الدولتين النوويتين الأعظم ترتبطان بمعاهدات للخفض الطوعي لترسانتهما النووية، كما أن دولا في الاتحاد السوفييتي السابق تخلت عن المستودعات النووية بإرادتها وفككت البرازيل والأرجنتين وجنوب إفريقيا البرامج النووية العسكرية بعد انتهاء،الحرب الباردة وفي المقابل أقدمت كل من الهند وباكستان على دخول النادي النووي،

فأثار الأمر اعتراضات ما لبثت أن هدأت ولم يعد الموضوع مطروحا اليوم من جانب الأميركيين والأوروبيين. وتأسيساً على هذا المشهد العام، فإن الوكالة منعت من التعاطي مع الملف الإسرائيلي في حين أنها لم تنجح في منع الولايات المتحدة الأميركية من التعاطي، حربا، مع الملف العراقي، وهو ملف تبين انه فارغ.

ويمكن القول اليوم بلا تردد، إن الدعم المعنوي للبرادعي والوكالة لا علاقة له بإسرائيل، ولا علاقة له بعدم التزام الدول النووية الكبرى بتعهداتها، انه دعم مخصص لتثبيت الدافع في المواجهة المفتوحة مع إيران. ولقد كان لافتاً أن شمعون بيريز، أبو القنبلة النووية الإسرائيلية، أقدم على تهنئة البرادعي محدداً له مهمته الإيرانية من دون تقديم دليل واحد جدي على أن الخطر المحتمل اكبر من الخطر الواقعي.

يمكن القول إن الفترة المقبلة هي فترة اشتداد الصراع في ما يخص الملف النووي الإيراني، كذلك يمكن التوقع بان الوكالة ستميل أكثر نحو الجهات التي كرمتها وأعطتها الجائزة. إلا أن المفارقة الكبرى هنا هي التالية: إن إيران هي صاحبة المصلحة في التمسك بالوكالة والمعاهدة وتفعيلهما والخضوع لأحكامهما والدفاع عن دورهما،

وفي المقابل فإن الولايات المتحدة أساساً (وأوروبا استطراداً) صاحبة مصلحة في وضع الوكالة والمعاهدة جانباً ونقل الملف إلى مجلس الأمن والتحرر من الأحكام والقيود الواردة في المواثيق الدولية.بكلام آخر، تبدو الجائزة بمثابة ترضية للبرادعي والوكالة أو بمثابة راتب تقاعدي من أجل الارتضاء بالتهميش، إنه تكريم غريب جداً في نوعه.

كاتب لبناني