إعلان انتحار وزير الداخلية السوري كان له وقع الهزّة، سياسياً وإعلامياً، في سوريا وعموم المنطقة. حادث فاجأ الدوائر والأوساط كافة، من جهة لأنه كان غير متوقع ولا في الخيال. ومن جهة ثانية لأن توقيته أعطاه شحنة من السخونة غير الاعتيادية؛ بحيث كان بمثابة الصدمة. وعادة حدث بهذا الحجم ومن هذا النوع المأسوي، يترك الكثير من الأسئلة وعلامات الاستفهام. بل الذهول.

خاصة عندما تكون الضحية بوزن الوزير غازي كنعان وبموقعه ودوره المعروف على الساحتين السورية واللبنانية ووقوعه في هذا الظرف بالذات، عشية استحقاقات مهمة وربما مفصلية، زاد الطين بلّة وفتح أبواب التكهنات على مصراعيها. ليس ذلك فحسب، بل جاء ليضيف المزيد من البلبلة على المشهد؛ الذي بدا في الآونة الأخيرة وكأنه بدأت أموره تنتظم في معادلة أقل اضطراباً وأقرب إلى الانسجام مع مرحلة ما بعد تقرير ميليس؛ المتوقع صدوره بعد أيام.

وكانت مقابلة الرئيس السوري، قبل إعلان حادثة الانتحار بساعات قليلة، مع شبكة سي.إن.إن الأميركية؛ قد عززت أجواء هذا الانتظام عندما شدّد على أنه إذا كان هناك ضلوع لأي مواطن سوري في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق، رفيق الحريري، فإنه يعتبر بمثابة «خائن» ولابد من إنزال أشد العقوبات به.

كلام يصب ماء بارداً على صفيح وضع ملتهب ويمهّد للتهدئة المطلوبة. خاصة وأن الأيام الأخيرة شهدت جولة من التراشق الإعلامي، الذي واكبه غمز رسمي بين العاصمتين الشقيقتين دمشق وبيروت. وإذا بهذا التطور الدرامي يأتي ليفرض نفسه ويعيد طرح المخاوف ونشر أجواء الحذر والترقب؛ فضلاً عن زرع الشكوك من جديد؛ حول إمكانية عبور نفق التحقيق الدولي بسلام.

لقد عانى كلّ من لبنان وسوريا الكثير. سنة صعبة مرت على البلدين. الأول دفع فوق قدرته على الاحتمال من أمنه. استهدفته موجة اغتيالات وتفجيرات فرضت الشلل على البلد؛ في ظل استقطاب سياسي حاد وتدهور اقتصادي مدمّر. جارته سوريا عانت من حملات وضغوط وتهديدات بالمزيد من العزل والحصار؛ بما جعلها تعيش حالة قصوى من الاستنفار الدفاعي والذي لابد أن تتزايد كلفته لو تواصل على الوتيرة نفسها.

وضعية غير صحية لكليهما. وبالتأكيد هي مؤذية للعلاقات بينهما، التي لا تقوى أن تكون غير طبيعية فكم بالأحرى أن تكون متدهورة! ولا شك أن التدهور جلب على البلدين ما فيه الكفاية من الأذى والضرر. لبنان بدأ، على ما يبدو، لملمة وضعه الأمني؛ تمهيداً لمعالجة بقية مشكلاته الضاغطة. سوريا المنيعة أمنياً تعرضت أمس لهزة الانتحار، الذي لا يسعنا إلا التمني أن تكون خروجاً على القاعدة، وألا تكون لها آثار وتداعيات سلبية على ملف العلاقات بين البلدين.