من يقرأ أو يستمع او يشاهد وسائل الاعلام الاجنبية، وهي تنقل تصريحات كبار المسؤولين في الدول المانحة - فرادى او داخل مجموعات أو في اطار الأمم المتحدة - حول المساعدات المالية للشعب الفلسطيني لا بد انه سيتخيل سيولا من الاموال بمختلف العملات الصعبة، ستتدفق على قطاع غزة والضفة الغربية، لتجعل من ابناء الشعب الفلسطيني من اغنى الاغنياء في هذا العالم، فيما لو وزعت هذه المساعدات بالتساوي على المواطنين الفلسطينيين جميعا، بالعدل والقسطاس.

إلا أن الواقع الملموس، ومن خلال معطيات التجارب السابقة ايضا والتي اعقبت اعلان اوسلو، واستمرت حتى اندلاع انتفاضة الاقصى عام 2000 يشير الى أنه وان حدث نوع من التطور والتطوير الاقتصاديين خلال تلك الفترة، فان مستوى المعيشة للفرد الفلسطيني لم يرتفع كثيرا بسبب المساعدات المالية التي تدفقت، او سمع المواطنون انها تدفقت، في حينه على الاراضي الفلسطينية. ولم تتكشف بعد التفاصيل الدقيقة لأوجه انفاقها، وما اذا كانت قد وصلت الى الجهات المستحقة ام انها سارت في طرق ومسالك ما تزال غامضة، او مثار تساؤل حتى الآن.

كان من المفروض ان تقام بمليارات الدولارات، التي صبتها الدول المانحة اثناء الاعوام المشار اليها، مشاريع عديدة في المجالات الصناعية والزراعية والسياحية والخدماتية والاسكانية، وان تتوفر من خلال هذه المشاريع التي لم تنفذ أبدا، عشرات الآلاف من فرض العمل داخل الاراضي الفلسطينية، بحيث يستغني العمال الفلسطينيون عن التوجه الى سوق العمل الاسرائيلية، وان يتم تخفيض عدد المتوجهين الى تلك السوق، على الاقل.

وحتى الآن، فان التصريحات الدولية عن مساعدات ستقدم للفلسطينيين ما تزال في حيز الوعود والتعهدات، التي لم يصل معظمها الى منطقة التنفيذ على ارض الواقع. ومن الضروري ان لا تتكرر تجربة ما بعد اوسلو، وان يتم التخطيط بشكل موضوعي وشفاف، وعادل، لكل دولار او يورو او اي عملة اجنبية اخرى تدخل الاراضي الفلسطينية، في اطار المساعدات الدولية، ايا كانت الجهة التي تتلقي هذه المساعدات.

ومن المفروض ان تقوم بالتخطيط مؤسسات فلسطينية مستقلة، وهيئات دولية محايدة، وان يتم اعتمادها في نهاية المطاف من قبل الاطر التشريعية الفلسطينية، التي تتولى الاشراف والمساءلة فيما يتعلق بانفاق الاموال، وتنفيذ المشاريع المخطط لتنفيذها ضمن مواعيد زمنية محددة.

إن الشعب الفلسطيني قد عانى كثيرا، وبشكل مرير ومأساوي، من أنواع متعددة من التسيب والفلتان، بعضها على الصعيد الامني وبعضها الآخر على الصعيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي. الا ان هناك تصميما اكيدا هذه المرة، على وضع حد لهذه الظاهرة.

ويتوجب على الفلسطينيين جميعا (وسيقدم لهم المجتمع الدولي الدعم والمساندة) ان يحولوا دون اهدار المساعدات الدولية المقبلة، او تدفقها بعيدا عن الجهات المستحقة والمشاريع الانمائية والخدماتية الجادة والمدروسة لرفع مستوى معيشة ابناء الشعب الفلسطيني جميعا ودون اي استثناء.