الاتفاق العراقي الذي سبق بأيام معدودة الاستفتاء على مسودة الدستور هو بادرة تبشر أنه يمكن بالحوار تقريب المسافات وتقليص الخلافات بل إننا نرى هذا الاتفاق عاكسا لقيمة أن الأغلبية قد قررت ألا تستند إلى ما يحققه ثقلها كأغلبية أوصلتها للسلطة في فرض إرادتها.
وأن العرب السنة في ذودهم وحرصهم الدؤوب على الوحدة الوطنية والإبقاء على العراق الواحد الموحد وليكون الدستور الوطني حافظا ومحققا لهذه الوحدة قد نجحوا أيضا بموقفهم الرافض لمسودة الدستور فيما قبل هذه التعديلات في التأكيد على وحدة العراق وفي تجنيب العراق التشرذم أو التفتت إلى كانتونات وأجزاء بعدما كان وسيظل العراق نسيجا واحدا وإن تعددت أعراقه وقومياته.
إن الفيدرالية التي يراها كثيرون حلا لمعضلات العراق يمكن القناعة بجدواها ولكن فيما بعد أن يتعافى العراق من الاحتلال ويستعيد استقلاله وتلتئم جروحه وتنضج ديمقراطيته التي حرم منها طويلا.
ومن ذلك فإن التطبيقات المتعجلة لأنماط النظام الإداري المستوردة تحتاج إلى حقن البدن السياسي للمجتمع وأجهزته ومكوناته وقيمه السياسية بما يؤهله لاستيعاب هذه الأنماط لا رفضها وبما يحقق الهدف من الفيدرالية لا أن يحولها إلى قيم انفصالية تفتت العراق الواحد‚ فيصبح هذا البلد أثرا بعد عين وفصلا في تاريخ.
وقد أثبتت الاتفاقات الأخيرة التي استهدفت رأب الصدوع في علاقات الأشقاء العراقيين وبدء حوار فعال يستهدف الأخذ في الاعتبار إرادة جميع الأطراف وبما يضمن العراق الواحد.
إن الأخوة العراقية لا تفتقد الوشائج ولا العوامل التي تجعلها تنبذ العنف‚ ذلك لأنه لا يمكن أن يكون العنف والاحتراب الداخلي الدموي مفضيا إلى نتائج وحلول بل داعيا لمزيد من الانقسامات وباعثا لمزيد من المخاوف والتي سوف تتحول إلى معاول هدم وحدة العراق.