ممارسة التعذيب على المعتقلين الأجانب سياسة رسمية معتمدة لدى إدارة بوش.ليس هذا مجرد اتهام قد يثبت وقد لا يثبت، وإنما هو إقرار ضمني من البيت الأبيض. هناك الآن مشروع قانون أجازه في مرحلته الأولى مجلس الشيوخ الأميركي، بمبادرة من أحد أعضائه يحظر على العسكريين الأميركيين ممارسة أعمال التعذيب وإساءة معاملة المعتقلين الأجانب.

ومن الواضح أن المبادرة إلى محاولة استصدار قانون كهذا يأتي كرد فعل على انفضاح أعمال التعذيب الوحشية المشينة التي مورست في سجن أبو غريب العراقي، وفي معتقلات أميركية أخرى من أشهرها معسكر غوانتانامو وقاعدة باغرام الجوية الأميركية في أفغانستان. وينص مشروع القانون على أنه «لا يحق إخضاع أي فرد تحت حراسة أو رقابة حكومة الولايات المتحدة فعلياً، ومهما كانت جنسيته ومكان اعتقاله لمعاملة أو معاقبة قاسية وغير إنسانية ومذلة».

وقد يبدو لك من الوهلة الأولى أن إدارة الرئيس بوش لا يسعها إلا أن ترحب بمشروع القانون بقدر كبير من الحماسة من حيث إنه يتطابق مع كل ما درج الرئيس الأميركي على التبشير به من الدعوة إلى المحافظة على حقوق الإنسان ونشر المبادئ الديمقراطية انطلاقاً من «القيم الأميركية».

وبما في ذلك «مشروع الشرق الأوسط الكبير». لكن في الحقيقة كان رد فعل إدارة بوش مقدماً هو شن حرب مكشوفة على مشروع القانون ورفضه جملة وتفصيلا وعلى هذا النسق توعدت الإدارة بأن الرئيس سوف يستخدم حق الفيتو الأميركي الذي يكفله له الدستور الأميركي، لقتل المشروع إذا وصل إلى عتبة البيت الأبيض بعد إجازته على مستوى مجلس النواب.

فما هي حجة الرئيس؟

هنا نجد عذراً أقبح من الذنب، فالناطق باسم البيت الأبيض يقول إن مثل هذا القانون«سوف يحد من قدرة الرئيس بصفته قائد القوات المسلحة على شن الحرب ضد الإرهاب بفاعلية». ومعنى هذا القول إن إدارة بوش تقر بأن ممارسة التعذيب سياسة رسمية معتمدة لدى الإدارة، وأن الإدارة عازمة على مواصلة تطبيق هذه السياسة.

وفي هذا الصدد قالت صحيفة «واشنطن بوست» إن بوش «من الناحية الفعلية يهدد بأن يعلن على العالم الإفلاس الأخلاقي الذي تعاني منه إدارته». وهكذا فإن هذا الموقف المكشوف الذي تتخذه إدارة الرئيس بوش من مشروع قانون يحظر ممارسات غير شرعية وغير قانونية وغير أخلاقية وغير ديمقراطية

يؤكد على كل ما نقلته وتنقله الأخبار من أن الإدارة الأميركية تدير عشرات المعتقلات السرية المنتشرة حول العالم، إما بصورة مستقلة أو وفقاً لتعاون أمني من أنظمة حاكمة في العالم الثالث عموماً، والعالم الإسلامي خصوصاً، والعالم العربي بصورة أخص. ومع ذلك لا يكف الرئيس بوش عن التبشير بصيانة حقوق الإنسان. إنه حقاً إفلاس أخلاقي.

وهذا مما يفسر أيضاً لماذا اقتصرت المحاكمات العسكرية الأميركية بشأن جرائم تعذيب على حفنة من الجنود من ذوي الرتب الصغيرة. فالعسكريون الكبار على مستوى الجنرالات يصدرون أوامر التعذيب من على البعد وهم ومطمئنون إلى حماية البيت الأبيض.