لا أحد ينكر على المعارضة السورية الحق في العمل على تحقيق مطالبها، لكن أن يستغل بعض رموزها الهجمة الشرسة التي تقودها أميركا ومعها إسرائيل ومن والاهما ـ أقارب وأغراب ـ من أجل تصفية حسابات أو حجز مقعد «العودة» على ظهر الجبارة «همر» وهي تشق طريقها إلى دمشق، فذلك ينزع عن وجه تلك المعارضة شرعيتها ويضعها في خانة « التآمُر عَلَى الوَطَنِ مَعَ العَدُو».

كدت أقول «خانة الخونة»، ولكني تراجعت عن قولها لأن الكلمة «الخيانة» فَقَدَتْ معناها منذ أن أصبحت الهرولة نحو إسرائيل تجري بوتيرة أسرع من المشي الهوينا نحو بعضنا بعضاً الذي ما زلنا نمارسه منذ أ ن تصافح أطراف حرب «داحس والغبراء»، ومن كان يُطلق عليه «خائنا» قبل عشر سنوات لمجرد أنه ذكر «إسرائيل» لفظا يعتبر بمقاييس اليوم اقرب إلى صف الوطنيين!

ورغم أن التدافع لكسب ود تل أبيب يأتي في قائمة الشروط التي وضعتها أميركا للحصول على «صك الغفران» المختوم بصورة «النسر العظيم المحلق فوق جبال الروكي». وهو ما لا يحتاج إلى تصريح أو توضيح، إلا أن بعضهم لا يكف عن «استغبائنا» وربما تخويفنا، وهو يتشدق بالمقولة العربية «لن نكون ملكيين أكثر من الملك نفسه»، مبررا، ولو من باب «ستر العورة»، أن لا خيار لنا غير الاعتراف بواقع الحال والتسليم أن محبس الهواء الذي نتنفسه بيد «شارون».

خاصة بعد أن أعلن سلفان شالوم، وزير الخارجية الإسرائيلي، عن لقائه بعدد كبير من المسؤولين العرب، وطالبهم، وبشماتة أيضا، الإعلان عن لقاءاتهم به لتشجيع الواقفين في طابور الانتظار التقدم لمصافحته أمام أنظار العالم، والاعتراف بدولته دون شروط.. تلك التي اعتاد بعض ساسة العرب التأكيد عليها ولو من باب «ذر الرماد في العيون»!

والسبب الثاني الذي حال دوني واستخدام كلمة «الخيانة» لوصف سلوك لبعض المعارضين السوريين الخوف من أن أضَمَّ إلى قائمة المصنفين «من ليسوا معنا»®. لاسيما بعد أن أعلنت إدارة البيت الأبيض عن تشكيل فريق عمل يتابع ويراقب كل ما يكتب أو يقال في العالم العربي بحثا عن ما يصنف ـ وفق لائحة الاتهامات الطويلة ـ في قائمة «التحريض على الإرهاب» بعد أن ظننا خطأ أن «مبادرة الشرق الأوسط الكبير» ستحررنا من «مقص رقيبنا» أو على الأقل ستخفف حدته.

ورغم أن تحركات المعارضة السورية في باريس والتي ضمت بين صفوفها أحزابا وجماعات لا أحد يشك في وطنيتها وبالتالي حقها الطبيعي في المطالبة بالمشاركة عبر صناديق الاقتراع والتي جاءت تحت شعار «التباحث حول التغيير الديمقراطي السلمي في سوريا» وفق أجندة تقول «دون املاءات خارجية وضد الاستقواء بالخارج»،

إلا أن تحركها تزامن من تحرك معارضة أخرى جمعتها واشنطن ووزعت عليها الأدوار والمقاعد، وان حاول المشاركون في لقاءات باريس النأي بأنفسهم عن ما كان يجري في واشنطن من خلال رفضهم دعوتها للمشاركة في اجتماعات باريس.

والحق يقال إن المعارضة الوطنية السورية، أطلقت منذ إعلان الرئيس السوري الجديد نيته في إحداث إصلاحات جذرية تنفتح أكثر نحو قبول الرأي الآخر، شعار الحوار الوطني وأبدت استعدادها لطي صفحة الماضي استجابة لما أظهره الرئيس الشاب بشار الأسد من رغبة للتغيير.

وكما قلت سابقا ليس من حق أحد أن يحول دون أن تمارس المعارضة الوطنية السورية حقها في التغيير، لكن لا بد، وهم يمارسون هذا الحق، من الاتعاظ مما يجري في العراق، ولا أظن أن أولئك الذين جمعتهم واشنطن ستختلف أدوارهم عمن تقاسموا ال«كعكة» العراقية وقسموها إلى طوائف وأعراق سواء كانوا مجبرين أم باختيارهم!

لم يكن العراق يوما النموذج الذي تتطلع إليه الشعوب العربية المنهكة بوزر التنحار ولا كان البعث الراية التي استطاعت أن تستقطب تحت ظلها هذه الشعوب، لكن ما يحدث للعراق اليوم يجعل الكثيرين من أبناء العراق أنفسهم «يتحسرون» على وضع كان يكفل لهم الأمان قبل رغيف الخبز و«تنكة» البنزين، ولا أظن أن أحدا لديه الرغبة في أن تعرض سوريا لما تتعرض له العراق الآن غير أولئك الذين لا يعنيهم ماذا سيجري طالما حجزت لهم الكراسي بعد أن تمهد لهم أميركا ومن خلفها إسرائيل الطريق للوصول إلى دمشق.

وليس أمام المعارضة العربية أينما كانت لاسيما في الدول التي يهيمن على القرار فيها حزب واحد أو شخصية واحدة ـ والأمر سيان في قاموس السياسة العربية ـ لإحداث التحول الديمقراطي غير التوجه إلى الداخل وتفعيل دور الشارع لانجاز «الوعد»، ولعل ما شهدته مصر الشهر الماضي، رغم ما اعترى التجربة من نكوص، يمثل بداية مسيرة مضنية، قد تكون طويلة، ولكنها ستؤسس لنهج جديد يتيح للآخر سماع صوته وقول كلمته في صناديق الاقتراع.

والولايات المتحدة لم تعد تهتم بالبحث عن ذريعة لا «للتدخل في شؤون الدول الأخرى» فهذه لم تعد تجد فيها أميركا حرجا، وإنما لدخولها عسكريا واحتلالها.. بعد أن أصبح تدخل الدولة العظمى في شؤون بعض دول العالم مشرعا من قبل «الشرعية الدولية» التي تفتقر إلى الشرعية العادلة بعد أن حول الأميركان «مجلس الأمن» هذا، إلى «مجلس أمنهم».

يبيح لهم ـ دون سؤال ـ كل تحرك أو تدخل.. فالمبررات جاهزة ولا تتعدى أصابع اليد الواحدة.. فهي إما «الإرهاب » و«حقوق الإنسان»، وإما «أسلحة الدمار الشامل» والطاقة الذرية. ولأن مثل هذا الحديث، على تواضع كاتبه، يثير غضب أميركا، ويحرج غيرها، خاصة وإن كان مصدره عربياً أو مسلماً، فاني سآتي ب«شهادة شاهد من أهلها».

الكاتب الصحفي «روبن رايت» حدد وجه الشبه بين المعارضة السورية المجتمعة في واشنطن في سعيها لإسقاط نظام البعث في سورية، وتلك التي قادها احمد الشلبي على سيارات ال«همر» ليلة سقوط بغداد.. مشيرا إلى أن لقاء المعارضة السورية المجتمعة في واشنطن بعدد من أركان إدارة البيت الأبيض ووزارة الدفاع الأميركية

يهدف إلى إعداد هذه المعارضة لدخول دمشق حين يستدعي الأمر، وان كان المسؤولون بوزارة الخارجية الأميركية أكدوا أن لقاءهم بالمعارضة السورية ورعايتهم لها يدور حول دعم عملية الإصلاح والتغيير في المنطقة.. وكيف يمكن لنا كعرب أن نساعد سوريا؟

كاتب عماني