باتت مسودة الدستور العراقي في عهدة الاستفتاء المقرر يوم بعد غدٍ السبت حيث سيقرر الشعب العراقي موقفه النهائي تجاه الدستور الجديد في ظل استمرار الاحتلال الأميركي للعراق. وقد وصف الرئيس الأميركي جورج بوش مسودة الدستور بأنها «مصدر إلهام لأنصار الديمقراطية».

واعتبرها السفير الأميركي في العراق زلماي خليل زاده بأنها «الأكثر تقدماً في العالم الإسلامي»، في الوقت الذي تبنت فيه الدول العربية سياسة «الصمت التام» تارة وسياسة «التحرك الخجول» تارة أخرى حيال المسألة العراقية بأسرها. إن ولادة الدستور العراقي الجديد جاءت نتيجة لسقوط نظام صدام حسين ونظام البعث في بغداد الذي حكم البلاد لعقود طويلة، ونتيجة لوجود الاحتلال الأميركي لأكثر من سنتين في العراق.

هذه الوثيقة المهمة، التي عادة ما يصفها القانونيون والسياسيون بأنها عقد اجتماعي وسياسي وقانوني، أتت لترسم ملامح مستقبل العراق الحديث كدولة سياسية وكأمة تنتمي للجغرافية السياسية العراقية، ولكن في بيئة تفتقد الحد الأدنى من الاستقرار السياسي والأمني داخلياً وضمن سياق إقليمي مشرذم وضعيف تحتكر واشنطن إدارته.

ويتوقع معظم المحللين السياسيين بمن فيهم الأميركيون بأن فرص الحفاظ على وحدة التراب العراق ومنع التقسيم أصبحت ضعيفة حتى وإن تم قبول الدستور في الاستفتاء القادم. ولقد كثر الحديث بين المحللين وعلماء السياسة وخبراء السياسة الدولية أن ما يجري في العراق لا يبعث على الأمل بل على العكس ينبئ ببداية نهاية العراق كدولة وأمة، وأن هذا الأمر يجري من خلال عملية وأساليب «دستورية».

وقد تساءل ناثان براون كبير الباحثين في معهد كارنيجي للسلام الدولي عن مستقبل الدستور العراقي في ظل الأوضاع المزرية في العراق قائلاً: «إن ما يجري في العراق من أحداث وتطورات تجعلني أقول إن الدستور العراقي الجديد هو أسلوب مهذب لقول كلمة وداعاً للعراق».

مثلما هو الأمر في رفض الدستور فإن قبول الدستور قد يساهم في تعزيز الانقسام بين الطوائف العراقية المختلفة. فالعديد من بنود الدستور الجديد تمكن المناطق المختلفة بالتحكم في موارد العراق المختلفة مثل المياه وآبار النفط والضرائب مما يعزز قضية الاستقلال الذاتي لهذه المناطق. وهذا الانقسام تعززه الأحداث التي يشهدها العراق في كل أقاليمه وضد كل الطوائف وأصبح العراقيون بعد أكثر من سنتين ونصف يجدون الأمن والطمأنينة في مناطق قبائلهم التي ازدهرت بعد اندلاع الحرب.

بالمقابل هناك آخرون من المحللين الذين يؤمنون بأن صياغة العامة للدستور الجديد تسمح للمشرعين العراقيين من جميع الأطياف والانتماءات بصياغة تشريعات وقوانين جديدة تجمع وتزاوج بين ما هو إسلامي وما هو ديمقراطي (أو ليبرالي) الأمر الذي سيخلق أرضية نوعية لبناء حكم جديد غير مسبوق في منطقة الشرق الأوسط.

بمعنى أن ديمقراطية دستورية في عراق فيدرالي متعدد المناطق والأقاليم ستوفر الأمن والاستقرار للجميع وتمنع ما يمكن أن يكون في حال استمر الوضع الراهن وهو سيناريو الحرب الأهلية بين مجموعات طائفية ضمن الجغرافيا العراقية غير قادرة على بناء دول مستقلة لها قابلة للحياة والنمو.

والموجود حالياً في الخارطة السياسية العراقية على أية حال هو قبول عام من جميع الطوائف العراقية، باستثناء السنة العرب، بوجود ثلاثة أقاليم أساسية مع الإبقاء على بغداد عاصمة لهذه الأقاليم بالرغم من حرمانها الكثير من السلطات التاريخية التي تمتعت بها عبر التاريخ طائفة العرب السنة.

والحقيقة ما زال السؤال يطرح نفسه في العراق وخارجه حول ما إذا كان الدستور الجديد سيكون عاملاً موحداً أو أنه سيقود إلى تقسيم العراق إلى دويلات تحت مسميات متعددة ومضمون واحد. فالوضع في العراق قد وصل إلى وضع محفوف بالمخاطر لدرجة أن العديد من المراقبين والمحللين أصبحوا ينظرون إلى مرحلة ما بعد مسودة الدستور بكثير من الريبة والخوف.

لقد أبدى السنة العرب معارضتهم وتحفظاتهم على العديد من البنود معلنين نقل المعركة إلى الاستفتاء، وقد قرر الأعضاء السنة الـ 15 في اللجنة عدم القبول ببعض النقاط الواردة في الصيغة النهائية، داعين الجامعة العربية والأمم المتحدة والمجتمع الدولي للوقوف معهم لحل النقاط الخلافية، مؤكدين أنها تمس وحدة العراق وتؤدي إلى تمزيقه أرضاً وشعباً وهوية.

كما شددوا على أنهم سيعملون لنقل المعركة إلى الاستفتاء لإسقاط الدستور، الذي أدخل عليه نحو 14 تعديلاً، كان أهمها تأجيل مسألة الفيدرالية في الإقليم الجنوبي إلى ما بعد الانتخابات البرلمانية المقبلة في نهاية العام الجاري للبت فيها. في حين يرى غالبية أعضاء لجنة صياغة الدستور، وتحديداً الشيعة العرب والأكراد، أن مسودة الدستور أسست لحكم في العراق يقوم على أساس التعددية والديمقراطية وحق المواطنة المتساوية والاتحادية والفيدرالية،

واعتبروا أن التحفظات التي سجلها الأعضاء من السنة العرب تأتي ضمن العملية الديمقراطية التي يعيشها العراق. لقد حاول صناع هذه الوثيقة المصيرية والتي تتألف من 50 صفحة أن يوفقوا بين مصالح القوى والفئات السياسية المختلفة،

ولكن في نهاية المطاف فإن ما يعرف بسياسة الأمر الواقع فرضت نفسها لينبثق عنها دستور قد يصبح عاملاً موحداً للعراق والعراقيين أو عاملاً مساعداً للمضي في تقسيم العراق جغرافياً لدويلات صغيرة كما تتمناه أطراف عدة عراقية وغير عراقية.

إذن، العراق بمكوناته البشرية والجغرافية والسياسية والمادية يقترب فعلياً وعملياً من إسدال الستار على مرحلة تاريخية طويلة دامت أكثر من 80 عاماً ليدخل مرحلة جديدة لا يستطيع أحد أن يجزم بماهيتها ومستقبلها وتداعياتها على العراق الحالي والمستقبلي، بل وعلى المنطقة العربية بأسرها.

وهذا يجعلنا نراقب بحذر وتخوف شديدين عملية نشوء وتطور المرحلة المقبلة لأنها ليست فقط حصاداً لتراكمات تاريخية طويلة صنعها الداخل العراقي والخارج الاستعماري ولكن لأنها مفصلية مهمة مرتبطة أولاً بالمحيط الإقليمي العربي المباشر، وثانياً بالمحيط الأجنبي المباشر وتحديداً الدول غير العربية المجاورة وإسرائيل.

إن تقديم مسودة الدستور العراقي الجديد للاستفتاء الشعبي في ظل حالة اللااستقرار واللاأمن الذي يعيشه العراق منذ سنوات طويلة يمكن أن يكون إنجازاً مهماً وحدثاً تاريخياً ونقلة نوعية، ولكن هذا قد لا يعني بالضرورة أنه يصب في مصلحة العراق والعراقيين على المديين المتوسط والبعيد.

لأن الاتفاق على مسودة الدستور من دون موافقة طائفة أساسية عراقية يجعل من هذا الدستور وصفه لحرب أهلية محتملة تقود في نهاية المطاف إلى التقسيم الجغرافي السياسي المدرج في الاستراتيجية الأميركية منذ انتهاء الحرب الباردة.

isam997@hotmail.com

كاتب وباحث سياسي