يبدو أن ما أخفق الأتراك في تحقيقه بحد السيف في حصارهم لفيينا في العام 1683 قد يحققونه بالدبلوماسية في السنوات القادمة. إذ وافق الاتحاد الأوروبي على النظر في طلب تركيا الانضمام إليه. وأمام الطرفين محادثات شاقة وطويلة لا يتوقع الوصول إلى أي اتفاق قبل العام 2014 أو ربما إلى أبعد من ذلك التاريخ كي تصبح تركيا عضواً كاملاً في الاتحاد الأوروبي بحسب ال«بي بي سي» الثالث من اكتوبر.
ولعل مرجع عدم قبول تركيا في الاتحاد الأوروبي بشكل فوري هو وجوب إذعانها للقوانين المرعية في الاتحاد، وهي كومة هائلة من القوانين تقع في ثمانين ألف صفحة وتشمل فيما تشمل، كما تكتب مجلة «النيوزويك الأسبوعية» 11 اكتوبر، موضوعات من قبيل نوعية الهواء ونقائه إلى صحة ونظافة طعام الشارع وقوة السجائر وغيرها!!
وتركيا التي كانت ركناً أساسياً في التحالف الغربي أيام الحرب الباردة والتي انضمت إلى حلف شمال الأطلسي الناتو في العام 1952 قد انتظرت هذه اللحظة بفارغ الصبر منذ مدة طويلة، فهي قد تقدمت بطلب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي (السوق الأوروبية المشتركة) منذ العام 1964. ولم تكن مفاوضات اللحظات الأخيرة دون مفاجآت، إذ رفضت النمسا طلب تركيا وصدرت صحفها وهي تصف قبول أنقرة بالاتحاد بأنه «حصار جديد لفيينا»!!
وهذا ما دعا رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بالتصريح بأن «أوروبا إما أن تُظهر النضج السياسي وتصبح قوة عالمية، أو أن تتحول في نهاية المطاف إلى نادٍ مسيحي.»!! ومن العجيب أن اليونان، العدو اللدود لتركيا كانت أكثر دولة من الخمس وعشرين دولة المكونة للاتحاد حماساً لانضمامها إلى الاتحاد. وتعتقد اليونان أن دخول تركيا إلى البيت الأوروبي سيؤدي بها إلى الاعتراف بقبرص وإلى حل لمشكلتها المستعصية،
علماً بأن الجزء اليوناني من قبرص عضو في الاتحاد. أما بالنسبة للشعوب الأوروبية، فقد لعبت ذاكرتها التاريخية دوراً في مواقفها، كما يظهره استطلاع للرأي نشرته ال«بي بي سي» على موقعها في الرابع من أكتوبر، فأقل شعب تأييداً لانضمام تركيا هم النمساويون الذين وافق 10% منهم فقط على ذلك، أما أكثر الشعوب فهم المجريون، فقد وافق نصفهم.
ومن المعلوم أن المجر قد انفصلت عن النمسا بعد الحرب العالمية الأولى فيما كان يعرف بالإمبراطورية النمساوية المجرية التي تأسست في العام 1867. والحق أن الرأي العام الأوروبي منقسم على نفسه حول جدوى قبول بلد مسلم يربو سكانه على السبعين مليوناً يعيش 20% منهم دون خط الفقر.
وينظر بعض سياسييه الذين هم خارج السلطة كالرئيس الفرنسي السابق فاليري جيسكار ديستان بعين الريبة لحماسة الداعين لقبول تركيا في الاتحاد كبريطانيا مثلاً الذي يرى ديستان أن مبعث حماستها هو رغبتها في «وأد» الاتحاد بتوسيعه بدلاً من تصليب عوده بتعميق الصلات بين مكوناته الأساسية جريدة «الأندبندنت» في الثاني من أكتوبر،
وإذا كان الشعبان الفرنسي والهولندي قد رفضا دستور الاتحاد، والاتحاد ما زال «بيتاً أوروبياً خالصاً»، يحمل حضارتها، فما عساهما أن تقولا حينما تطأه أقدام غريبة!! ولعل مثل هذا التوجه جعل وزير خارجية بريطانيا جاك سترو يذكر بخطورة أن تجد مقولة «صراع الحضارات» مصداقية لها من الواقع في حال رفض طلب تركيا.
وقد أذكى تردد أوروبا هذا الروح القومية في تركيا، خاصة أنه ترافق مع مطالبات يرى فيها القوميون المتعصبون إيذاناً بتفتيت الدولة التركية كما جرى لسلفها الامبرطورية العثمانية. وتبرز على قمة المطالبات المثيرة تلك إقرار تركيا بالمسؤولية التاريخية عن مذبحة الأرمن التي جرت في العام 1915 وإعطاء مزيد من الحقوق القومية للأقلية الكردية التي تشكل حوالي 20% من جملة السكان.
وقد رفضت الحكومة التركية السماح بعقد مؤتمر كان من المزمع مناقشة مذبحة الأرمن تلك، واعتقلت أحد مثقفيها البارزين ويدعى أورهان باموك لأنه استخدم وصف «الإبادة» للتعبير عما جرى للأرمن. أما بخصوص الأكراد فقد سُمح أخيراً بتدريس لغتهم القومية في مدارسهم الخاصة، وهم على العموم يعيشون حالة إملاق وفقر.
فمقارنة بالمناطق التركية الأخرى حيث ينعم فيها السكان بدخل قريب من المستوى الأوربي، فإن مستوى الدخل في المناطق الكردية شبيه بذلك الموجود في الهند كما تكتب جريدة «الكرستيان سينس مونيتور» الأميركية في الثامن من اكتوبر، حيث ترتفع البطالة لتصل إلى 60%. والواقع أن تركيا لا ينقصها الكثير للدخول إلى البيت الأوروبي، وما ينقصها حالياً يمكنها سده في الفترة الانتقالية.
فهي نظام علماني منذ العام 1923 حينما ألغي مصطفى كمال أتاتورك (ومعنى أتاتورك أبو الشعب) نظام الخلافة العثمانية الذي امتد لستة قرون ونصف حيث تأسس في العام 1281. بل إن تركيا أشد علمانية من بعض الدول الأوروبية كبريطانيا مثلاً التي لكنيستها الإنجليكانية دور رسمي. وهي نظام يحبو صوب الديمقراطية منذ أول انتخابات حرة جرت فيها في العام 1950.
وقد تدخل العسكر مراراً في السلطة (1960، 1971، 1980، 1997) إلا أنه يبدو أن القناعة بتداول السلطة قد تعمقت الآن تدعمها المتغيرات الدولية مما سمح لحزب «العدالة والتنمية» الإسلامي أن يشكل الحكومة اثر انتخابات جرت في الخامس من مايو العام 2000.
ولاشك أن دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي سيقوي الاتجاهات الديمقراطية والتحولات التقدمية فيها وبالأخص ما يتعلق منها بحقوق الإنسان والحقوق القومية للأقليات كالأكراد والعرب وغيرهم فضلاً عن أنه سيؤصل النظام الديمقراطي فيها. وستكون تركيا، كما يقول أحد الباحثين الأتراك لجريدة «الكرستيان سينس مونيتور» في الثالث من اكتوبر، نموذجاً لدول الشرق الأوسط والقوقاز ووسط آسيا، حيث ستمثل «اندماجاً للثقافة الأوروبية والغربية بالثقافة الإسلامية».
وانضمام تركيا إلى الاتحاد لن يعود عليها بالفائدة لوحدها بل وأيضاً للجانب الآخر، فأوربا التي تعاني من شيخوخة بحاجة إلى 20 مليوناً من اليد العاملة في السنوات المقبلة، وهذا العدد يستطيع شعب تركيا الفتي أن يوفره. إن دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي وقبولها «ببيت كل أعضائه من المسيحيين « سيمثل نقطة تحول تاريخية.
alyusefi@hotmail.com
كاتب كويتي