خبر التوافق على صيغة بشأن القيام بتعديلات لاحقة على الدستور العراقي، فتح نافذة أمل. وبغض النظر عن التفاصيل، فإن مجرَّد حصول حلحلة يؤدي إلى تنفيس الاحتقان؛ أو على الأقل إلى وقف إمداداته. فاستحقاق الاستفتاء على الباب والالتهابات العراقية في ذروتها، التي ساهم الخلاف حول الدستور في بلوغها. وكان المطلوب تطوراً ما يفرمل، على الأقل، التفاقم السياسي، وبالتالي الأمني، المتسارع.

فجاءت مبادرة أو صفقة «اللحظة الأخيرة» في وقتها. إن لم يكن للإنقاذ النهائي، ففي الحد الأدنى للتهدئة وتوفير فرصة لالتقاط الأنفاس؛ علّ يوم 15 الجاري يمرّ بخير أو في أسوأ الحالات يمرّ بأقل الخسائر، بحيث لا تفلت الأمور من السيطرة. بالإضافة إلى ذلك، وعلى المدى الأبعد، علّ مثل هذا التفاهم يكون بداية الخيط المؤدي إلى تفكيك عناصر الأزمة ـ المحنة، التي تطحن العراق منذ سنوات.

غير أن هذه الفسحة من الأمل تبقى بمثابة المخدِّر الذي تم استخدامه لتمرير «قطوع» الاستفتاء، ما لم تقترن بالتنفيذ وفق صيغة متوازنة تؤمِّن دخول الجميع إلى الخيمة العراقية الواحدة. خاصة ان ما تم الاتفاق بشأنه عمومي ومحاط بالالتباس؛ فضلاً عن أنه يفتقر إلى التفاصيل والوضوح لجهة تحديده وتبيان آلياته وفترته الزمنية، لوضعه موضع التطبيق.

فما حصل هو أقرب إلى الوعد بأن يتم النظر في تعديل الدستور، بعد أربعة أشهر من تشكيل لجنة دستورية تتولى وضع المقترحات بهذا الخصوص. بعد الفراغ منها تعرض على البرلمان الجديد ـ المنتخب في ديسمبر المقبل ـ المطلوب موافقة غالبية الثلثين فيه على التعديلات، كي يتم اعتمادها. ثم بعد ذلك تُطرح على استفتاء آخر لتثبيتها بصورة نهائية.

لكن أسئلة كثيرة لا تزال مفتوحة. وتتعلق بالهيئة الدستورية وكيفية تشكيلها وعدد أعضائها وتوازناتها وكذلك الموعد الأقصى لتصويت البرلمان وإجراء الاستفتاء.. وغير ذلك من جزئيات الاتفاق. خاصة ان الحالة العراقية لا تحتمل الكثير من التأجيل والمواعيد البعيدة.

يُضاف إلى ذلك أن الصفقة لم يتحقق بعد إجماع واسع بشأنها، في صفوف الجهة المعترضة على مشروع الدستور. كل ذلك يجعل من هذا التطور، حالة سريعة العطب؛ ما لم يتعزَّز بالمزيد من البلورة للنقاط والخطوات ومن توسيع لدائرة التوافق والمتوافقين. وذلك لن يتحقق إلا بتضافر جهود جميع الجهات الموجودة على الساحة والمعنية بالعملية السياسية والحرص على استكمالها بما يخدم وحدة العراق ومصالح العراقيين.

ما حصل بالأمس خطوة صغيرة، هي بمثابة نقطة ضوء في الليل العراقي المعتم. وهي مرشحة لتكبر بقدر ما تهددها مخاطر التلاشي. المطبات كثيرة واحتمالات «الفركشة» أكثر وأخطر. وعلى العراقيين اجتيازها والتغلب عليها وحدهم، فالبديل ليس أقل من خراب لا يقوى أحد على احتماله.