تحررت دول أوروبا الشرقية من قبضة الاتحاد السوفياتي، وخرجت دول أميركا الجنوبية من هيمنة القوتين: الأميركية، والأحزاب الشيوعية التي يدعمها المعسكر الشرقي، وباستثناء حرب البلقان، فإن الحلول السلمية، والمعالجات الواعية التي أوصلت تلك الدول، إلى الخيار الديمقراطي، جاءت بدون اشتباكات داخلية، أو تدخل أجنبي، مثلما تعيشه الأمة العربية التي لا تزال تعايش مراحل المراهقة السياسية في الخمسينيات والستينيات، ومن بعدها مذابح أصحاب المذاهب ومليشيات الطوائف..
فشعار «إذا الشعب يوماً أراد الحياة .. إلى آخر القصيدة» تقدم الأهازيج والمنابر، رقص عليه القوميون والتحرريون، ولكنه جاء كعقاب للشعوب باسم تلك الإرادة الحرة، والدليل ما نعيشه الآن عندما تحول الأمن مثل ضرورات تأمين الغذاء والدواء.
لأن الأكثرية العربية لم تعد في التصنيف العام ذات إرادة، أو حتى صاحبة حق في التعبير عن حقوقها، وهذا الانفصام الذي جعل اليأس حالة مستوطنة في الذهن الشعبي، ولّد الشكوك، ثم الانفجارات التي تقودها مؤسسات الإرهاب، والدعوات إلى تجزئة الوطن الواحد بين زعامات، ومشايخ القبائل والمذاهب، والقوميات..
موضوع المصالحة دخل القاموس العربي، باسم الترضيات التي يجب أن تتم وفق الفيدرالية، والإصلاح جاء كدورة أخرى في تجزئة مبدأ الحرية وفق دوائر مغلقة، والأخذ بالتدرج بإصلاح التعليم، والاقتصاد، وبناء هياكل المدن التي ترافق مسيرة التطور في العالم.
لكن ذلك كله مجرد مشاريع وهمية، تكتب، ولا يعمل بها، ومن هنا نشأت الخلافات وبدأ البحث عن حل خارجي نتيجة يأس من الأنظمة الداخلية، وصارت أميركا تعلن عن شرق أوسط كبير، والتبشير بإزالة النظم التي لا تقر الحقوق، وباسم العدالة صار التدخل العسكري أو الضغوط الاقتصادية، يترافقان ورسالة الدولة العظمى.
وقد تكون على حق إذا كان احتكار السلطات وصل إلى حد الإعاقة الإنسانية للعديد من الشعوب، لكن صدمة العراق، لم تعوضها تلك الاستراتيجيات التي رسمها القادة الأميركيون وخبراؤهم، باعتبار العربي منشقاً على نفسه حتى لو تحققت له نسبة عليا من مطالبه، طالما أولويات السياسة التي تحقق الزعامة، وتفضيل الطائفة، والقبيلة على الحق الوطني.
جعلت إفرازات المرحلة الراهنة أكثر خطورة من مراحل نزاعات الأحزاب والاستزلام لقوى خارجية باسم تحرير الإنسان العربي، لأن تجزئة الوطن الواحد أصبحت هدفاً، وحتى وصل القول بأن العروبة ثقافة غازية، والعرب عنصريون قبليون لا يصلحون لإدارة أنفسهم، فكيف لشعوب ذات تاريخ وتماس مع حضارات تاريخية، أن تقودها عناصر ليست لديها حلول لتناقضاتها الداخلية.
ومن هنا جاء من يقول بمصر الفرعونية والشام الفينيقية، والسودان الأفريقية، والمغرب الأمازيقية، والعراق المتعدد الأعراق والحضارات واللغات والأجناس، وبهذه المذاهب المستحدثة، فإن فكرة شرق أوسط كبير أو صغير ربما تكون الجامع لوحدة قادمة بأدوات ونفوذ خارجي..