في أوج أزمة الغزو العراقي للكويت نشر الدكتور «حازم الببلاوي» كتابا يحوي مقترحا لبرنامج عمل لمرحلة ما بعد الغزو!! يقول الدكتور الببلاوي في إحدى فقرات الكتاب مايلي: «إذا بدا أن قضية الأمن سوف تكون من أهم أولويات دول الخليج لما بعد الغزو، فإن النظم لابد أن ينالها قدر من التغيير.
ورغم أوجه الشبه الكبيرة التي تقوم بين دول الخليج في أشكال الحكم التقليدية فإن ذلك لا ينبغي أن يخفي في الوقت نفسه التمييز الذي يفرق بينها في كثير من الأحوال فليس من الصحيح أن النظام في الكويت يماثل النظام في السعودية أو في الإمارات أو في عمان.. فالحقيقة أن هناك خصائص ذاتية لكل منها.
ومع ذلك فإن الكويت ربما تكون مرشحة بدرجة أكبر من غيرها لإعادة النظر في أوضاعها الداخلية بعد الغزو، فليس من الطبيعي أن تعود الأمور الى ما كانت عليه تماما فضلا عن أنه ليس من مصلحة أحد ذلك».
ما سبق كان نظرة حكيمة من قبل الدكتور «الببلاوي» وتوقعا منطقيا للتغيرات المحتملة بل المتوقعة ليس في الكويت وحدها وإنما في منظومة دول الخليج بشكل عام وذلك بعد هزة الغزو العنيفة التي سلطت الضوء على مكامن القصور.
لكن على ما يبدو أن الدكتور «الببلاوي» قد خاب ظنه تماما كما خاب ظن آخرين لضآلة بل محدودية الاستفادة السياسية من درس الغزو القاسي!! ولعل في الأزمة التي فجرها تصريح سمو الشيخ «سالم العلي» الذي نشرته جريدة «القبس» الكويتية ما يؤكد مثل هذه الحقيقة المرة!!
لقد أكد غزو النظام العراقي للكويت على أهمية الديمقراطية وأبرزها كأفضل الحلول وأيسر المخارج من كل الأزمات السياسية بل استطاعت الكويت حينها وعلى الرغم من صغر حجمها وتواضع قدراتها العسكرية أن تهزم حجافل العسكر وذلك حين اجتمع رجالاتها في مؤتمر جدة الذي أصر حضوره أن يتمسكوا بلغة الحوار الديمقراطي وأن يكون الدستور هو الحكم وهو الفيصل في كل ما يقرونه أو يرونه من أمور في تلك المرحلة الحرجة!!
حديث سمو الشيخ «سالم العلي» أخرج خلافات الأسرة ـ والتي هي أحد أعمدة النظام السياسي في الكويت - الى العلن وأصبح معه الخلاف داخل منظومة الأسرة أمرا معلنا وليس مجرد تكهن يدركه البعض ويجهله أو ينكره البعض الآخر!!
وتلك بلا شك مسألة حرجة وخطيرة خاصة في ظل الأوضاع المتأزمة التي تمر بها المنطقة بشكل عام!! لكن ما هو أكثر خطرا كان فيما تضمنه حديث سمو الشيخ «سالم العلي» من دعوة لحل ما رآه «خللا دستوريا» بأدوات ومرجعيات هي قطعا من خارج الدستور!!
النظام السياسي في الكويت هو الأكثر قربا من المجتمع المدني في أساسه فهو ليس مجتمعا رعويا ولا بدويا بل لقد هبت عليه رياح الحداثة حتى قبل ظهور الثروة النفطية حين خرج أفراده في ثورة شعبية عام 1938 مطالبين بوضع صيغة توافقية وحديثة لإدارة البلاد.
وهي الآن ـ أي الكويت ـ لا تزال تحصد ثمار تلك البذرة التي زرعها أبناؤها المخلصون ليكون حصاد الأمس هو المخرج الوحيد من كل ما قد تأتي به رياح الخلافات والاختلافات السياسية أيا كان منبعها وأيا كانت أهدافها.