أصبح الهاجس الأكبر والهم المحوري في عالم اليوم هو البحث عن التقدم والتطور، واستطاعت بعض دول العالم الوصول إلى مستوى مرض، ومع ذلك فإنها لا تزال تبحث عن المزيد من القوة والرفاهية.
وتختلف استراتيجيات الإصلاح بين الماضي والحاضر، وبشكل عام يمكن أن نرى ونرصد خمس تجارب للإصلاح والتقدم، اعتقد من الضروري أن نقف عندها حتى نتمكن من معرفة موضع أقدامنا، وحتى نعرف أين تقع دولة الإمارات العربية المتحدة بين دول العالم المتقدم ودول العالم المتخلف. وتدلنا التجارب العالمية على وجود طرق مختلفة للإصلاح في التاريخ الحديث والمعاصر.
التجربة الأولى: تجربة دول غرب أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، وهي أطول التجارب في العصر الحديث لأنها استغرقت عدة قرون؛ حيث بدأت في دول غرب أوروبا منذ القرن 15، واستغرقت 5 قرون تقريباً.
ومرت بعدة مراحل، مثل الإصلاح الديني، وعصر النهضة، والقضاء على الإقطاع، والتحول التدريجي إلى الرأسمالية، والحصول على مزيد من حقوق الفرد في ظل تقدم ليبرالي ذي طبيعة ديمقراطية تتميز بتداول السلطة، فضلاً عن الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.
أما في الولايات المتحدة الأميركية فقد مرت التجربة الإصلاحية بما يزيد على قرنين من الزمان، بدءاً بالكفاح للتخلص من الحكم البريطاني، ووحدة الولايات المتحدة، ووضع دستور موحد لحياة ديمقراطية ليبرالية تعتمد على حرية السوق، والحرية الفردية وتداول السلطة، والتخلص النسبي والمتدرج من التمييز بين الجنس الأبيض والجنس الأسود.
التجربة الثانية: تجربة اليابان وألمانيا وإيطاليا، التي تم الإصلاح فيها بالقوة العسكرية القهرية لدول خارجية تفرض رؤيتها الإصلاحية بقوة السلاح على دول منهزمة؛ حيث جاءت دول التحالف التي انتصرت في الحرب العالمية الثانية على هذه الدول، وقامت بفرض نموذجها الإصلاحي عليها وأعادت تكوين أنظمتها السياسية والاقتصادية والثقافية.
وغيرّتها من النظم التي كانت عليها وهي النظم الشمولية والفاشية إلى دول ليبرالية تماماً. والملفت للنظر أن هذه الدول استجابت لعملية الإصلاح المفروضة عليها، وتحولت خلال عقود وليس قروناً، إلى دولة اقتصادية وسياسية عملاقة.
التجربة الثالثة: تجربة الصين وكوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة وماليزيا واندونيسيا وشيلي وتركيا، فهذه الدول التي تتوزع بين آسيا وأميركا الجنوبية، بدأ الإصلاح فيها بالاقتصاد أولاً والتي تقوم على أسس علمية مدروسة تعمل على استغلال الموارد المحلية.
وتطوير التعليم بأنواعه، وتكوين قاعدة صناعية وزراعية تقوم على التقليد والاقتباس من الدول المتقدمة، واستطاعت ان تحقق بفضل الإصلاحات الحادة نمواً اقتصادياً سريعاً خلال 20 سنة تقريباً، وبالأكثر 30 عاماً. ثم بدأت في التحول الديمقراطي وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية، وشرع معظمها في التداول السلمي الديمقراطي للسلطة؛
حيث انتقلت السلطة من جيل إلى جيل دون انقلابات عسكرية ودون استخدام القوة، فأغلبها وصل إلى ديمقراطية كاملة مثل تركيا وماليزيا وتايوان وسنغافورة وشيلي واندونيسيا، وبعضها قطع شوطاً لكن لا يزال أمامه أشواط أخرى.
التجربة الرابعة: دول شرق أوروبا، وهي أحدث التجارب على الساحة الدولية، وفي هذه التجربة كانت البداية بالإصلاح السياسي؛ الذي تمثل أولاً من الانفصال عن الاتحاد السوفييتي نتيجة انهياره الذاتي، ثم شروعها الجاد في إقامة حياة ديمقراطية بفعل إرادة جماهيرية أصرت على ذلك، مثلما حدث في أوكرانيا مع التحول المدروس للنظام الرأسمالي.
ولقد ساعد هذا بوضوح على جلب الاستثمارات الخارجية التي ساهمت مساهمة فعالة في تحقيق تسارع النمو الاقتصادي خلال سنوات قليلة، مما أدى إلى سرعة انضمامها إلى الاتحاد الاقتصادي الأوروبي بكل شروطه في التقدم.
التجربة الخامسة: الدول العربية، وهي تجربة بدأت منذ التحرر من الاستعمار في النصف الثاني من القرن 20، وبدأت بآمال كبيرة في الوحدة السياسية والاقتصادية من خلال جامعة الدول العربية والسوق العربية المشتركة والهيئة العربية للتصنيع، لكنها واجهت مصاعب جمة داخلية وخارجية، مصاعب التخلف والأمية والديكتاتورية المتمسكة بمواقعها، والتدخل الخارجي والأجنبي، والحروب المتوالية مع دولة إسرائيل.
ولم تستطع الدول العربية تحقيق خطوات ملموسة على طريق التقدم، وتم إجهاض مشاريع الوحدة سواء السياسية أو الاقتصادية، لكن من الملاحظ أن ثمة كيانات متجانسة شرعت في اتخاذ بعض الخطوات المهمة لكنها غير كافية مثل دول مجلس التعاون الخليجي.
ويمكن القول ان مشروع التقدم والتطور صار هماً فردياً لكل دولة عربية على حدة، وفي هذا الإطار نجد معظم هذه الدول قد فشلت فشلاً ذريعاً سواء على مستوى الإصلاح الاقتصادي أو الإصلاح السياسي.
وبعضها ـ وهي دول قليلة جداً ـ يتجه بخطوات معينة نحو الإصلاح. ويهمنا من هذه الأخيرة دولة الإمارات، التي بدأت مسيرتها الإصلاحية منذ قيامها سنة 1971، كاتحاد بين سبع إمارات وكان قد تم وضع دستور مؤقت عند بداية الاتحاد.
ثم تحول إلى دستور دائم سنة 1996. وأخذت دولة الإمارات نظام الدولة بكل مؤسساته، فهناك سلطة تنفيذية هي مجلس الوزراء، وسلطة تشريعية رقابية هي المجلس الوطني الاتحادي، وسلطة قضائية. ولكل إمارة حاكمها وهيئاتها الإدارية المحلية وهي موازية، وفي بعض الأحيان، متداخلة، مع الهيئات الاتحادية.
وفي المجال الاقتصادي ـ وهو بيت القصيد ـ عملت الإمارات على الدخول إلى الاقتصاد العالمي القائم على حرية السوق والمجتمع الرأسمالي، حيث أنشأت أسواق الأوراق المالية، مثل سوق أبوظبي وسوق دبي المالي والعالمي.. وأصدر المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد في مارس 2004 قانوناً اتحادياً ينظم إنشاء المناطق الحرة المالية في الدولة.
كما اتخذت الدولة سلسلة من الإجراءات لضمان عدم تسرب الأموال غير المشروعة إلى البلاد، إلى غير ذلك من الإجراءات الإصلاحية، حتى صارت الإمارات ودبي بصفة خاصة بوابة للعالمية، ومن المؤشرات على ذلك الإحصائية الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، والتي تقول:
إن التمويل للإصدارات الجديدة، قد فاقت خلال الشهور التسعة الماضية من هذا العام 8 ,1 تريليون درهم، وكذلك تجاوزت الاكتتابات في شركات مثل: الدار العقارية، الطاقة، وأغذية واللوجستية أضعاف أضعاف المرات من قبل المستثمرين، فيما يتوقع أن يتجاوز حجم المبالغ المكتتب بها في شركة «دانة غاز» 600 مليار درهم.
بالإضافة إلى انضمام مجموعة من الشركات إلى أسواقنا المالية مثل: شركة جيما، الإسلامية العربية للتأمين، الاستثمار العالمي (جلوبال)، الاستشارات المالية، العالمية لزراعة الأسماك، وما قرأناه مؤخراً في «البيان» من أن بنك الخرطوم يتطلع إلى قيد اسمه في سوق دبي المالي.
وأشاد «أردوغان» رئيس وزراء تركيا بنهضة دولة الإمارات في شتى الميادين معتبراً أن ما أنجزته دبي من مكتسبات على الصعيد الاقتصادي والعمراني والتكنولوجي إنما يشكل مصدر إلهام «لنا في تركيا» ـ على حد تعبيره ـ لنستفيد من هذه الخبرة العالمية المميزة التي اشتهرت بها دبي في الأوساط الدولية وأصبحت مثالاً يحتذى ونموذجاً يشار له بالبنان.
لكن هل نحن بالفعل قد أكملنا منظومة الإصلاح، التي تتحدد معالمها الأساسية في الوصول إلى الديمقراطية الكاملة والدولة الصناعية الكبرى؟ بطبيعة الحال.. لا.. فرغم ما حققناه من تقدم، لا يزال أمامنا الكثير والكثير جداً، ويمكن القول أن خطانا بطيئة بالقياس إلى ما حدث في دول كثيرة.
لا يزال أمامنا تحديات حتى نلحق بركب الكثير من دول العالم والتي حققت تقدماً شاملاً على مستوى حرية التعبير ومستوى الغنى الاقتصادي والقوة العسكرية المنيعة.
ومن أهم معالم الطريق أمامنا ألا نفكر في مشاكلنا بطريقة محلية، بل بطريقة عالمية، ولا نعقد على مواجهة المشاكل الجزئية التي تواجهنا بمنهج جزئي، لأن التفكير الكلي والإصلاح الشامل ينظر إلى المشكلات في ضوء التجارب العالمية.
ولسنا بحاجة لاختراع نماذج جديدة للتقدم، بل علينا أن نفكر في النماذج الواقعية التي حدثت غير بعيد عنا في جنوب شرق آسيا، خاصة ماليزيا إن التفكير الإصلاحي يتطلب منا ان نتخذ قرارات جريئة وخطوات شجاعة وشاملة.
. خطوات لا تقف أمام التفاصيل الصغيرة فقط ولكن نركز على المحاور الجوهرية في الإصلاح، التوسع في الديمقراطية، محاربة الفساد، الاتجاه بقوة نحو الصناعات الخفيفة والثقيلة، إصلاح نظام التعليم.
منسق أكاديمي ـ جامعة الإمارات