يمثل جيل الشباب في أي مجتمع القوة الواعدة والأمل المتجدد بالتغيير والتحرر من قيود التخلف والضعف؛ فهي الفئة التي يتوقع منها أن تمسك بزمام المستقبل وأن توجه المجتمع إلى أفق جديد للحياة تتحقق فيه الآمال.
وتؤسَّس فيه النظم الكفيلة بانتشال الناس من واقع هش ضعيف إلى بنية متينة على جميع المستويات الاقتصادية والسياسية والفكرية والتربوية والتعليمية. ويحتاج الشباب لكي يقوموا بدورهم المأمول.
ويقفوا على مشارف مستقبل أمتهم في مواقع القيادة التي تستحق الثقة إلى وقفة متأنية متبصرة تساعدهم على اكتشاف ذواتهم، والتعمق في دواخلهم ، ومعرفة مواهبهم وقدراتهم. يحتاجون إلى مواجهة السؤال الكبير الذي يجب أن نساعدهم على مواجهته والتحاور معه بنضج وصدق وشفافية:
ماذا أريد؟ وما هدفي في الحياة؟ إنهم بحاجة حقيقية إلى الحوار الذي يتجاوز الأسئلة المكررة المقولبة إلى الأسئلة الكبيرة التي تمس ضمائرهم ووجدانهم وتحاول أن تكشف أمامهم حقائق الحياة ومسؤولية العيش فيها والتفاعل معها.
إنّ الكثير من شبابنا - ذكورا وإناثا- لا يعرف ماذا يريد وليست لديه صورة واضحة عن مستقبله الذي سيصل إليه يوما ما. إنّ هذا المستقبل غائم في عيونهم والأفق الذي ترنو إليه أبصارهم مبهم تكتنفه ظلال السلبية واللامبالاة أحيانا.
وليس الذنب في هذا ذنبهم وحدهم؛ لأن اتخاذ القرار بشأن المستقبل أمر يصعب على الكبار الذين تراكمت تجاربهم وخبراتهم مع مضي السنين، فكيف سيكون وقعه على فتى ليس له من رصيد التجارب شيء يعينه على التبصر والتفكر في ذاته ومستقبله؟ إن معظم الشباب يستسلم لما تهيأ له من فرص.
أو ينقاد لرؤى الآخرين من أهل و أصدقاء حول ما يمكن أن يحققه، أو يستلب لبعض الأعراف التي تجذرت في عقول الكثيرين منا حتى أصبحت مما لا يناقش ولا يعاد النظر فيه. إن معرفة النفس واكتشاف الذات أمر ضروري يحتاجه الشباب اليوم حاجتهم إلى التعليم والتثقيف؛
لأنها الأداة الأولى التي تمكنهم من وضع اختيارات صائبة حول مستقبلهم المهني والحياة التي يتوقعون أن يحققوا فيها إنجازات تلبي شرط الرضا والفخر والمشاركة الفاعلة في النهوض بالعمل والمجتمع.
ولكن مؤشرات الواقع التي نراها ونكتشفها بحوارنا مع الشباب والشابات من طلبة الجامعة تعكس ما تعانيه غالبية هذه الفئة من تشتت وعدم وضوح الرؤية حول مستقبلها وطموحاتها وقدراتها ومهاراتها.
إن مسؤولية تبصير الشباب بأنفسهم وتوجيههم نحو اكتشاف ذواتهم وسماع صوتهم الحقيقي صافيا بعيدا عن ضجيج الآخرين أمر ملحّ نحتاج أن نوجه إليه طاقاتنا ومؤسساتنا التربوية والتعليمية. نحتاج أن نكثف من الحوارات التي تتيح للشباب أن يعبروا عن أنفسهم وحقيقة مشاعرهم التي تعاني الكثير من الإقصاء والتجاهل.
يحتاج الشباب- خاصة في زمن الانفتاح على كل ألوان الثقافات وثورة المعلومات والتسارع المخيف نحو التغيير الذي لا يعطي الإنسان فرصة التوقف لتأمل المشهد واختباره والتريث في فهم أبعاده وعلاقاته- أن يجدوا في مجتمعاتهم ملاذا حقيقيا صادقا يعينهم على أن يمارسوا دورهم بحرية وانفتاح، ويضعهم أمام مسؤولية المشاركة في صنع القرار واتخاذ المبادرة والتعامل بإيجابية مع قضايا العصر ومشكلاته المعاصرة.
يحتاج الشباب - خاصة في مجتمعاتنا- إلى أدوات تقنية ووسائل عملية تتيح لهم أن يعرفوا مهاراتهم الذاتية ونقاط القوة والضعف في شخصياتهم وتكوينهم العقلي والنفسي، وأن يتقبلوها ولا يخجلوا منها. فلا تقف مسؤولية المجتمع نحو الشباب عند حد تطوير التعليم والوصول به إلى مستويات عالمية.
ولا تقف عند حد تهيئة بيئة مثالية للتعلم تشمل المدرسة والكتاب والمعلم والوسائل المساعدة، ولا تقف عند حد تهيئة فرص العمل المناسبة لهم بعد التخرج. إن هذه الأمور - على أهميتها ـ لا تعين الشاب على اتخاذ القرار الصحيح بشأن مستقبله.
ولذلك نرى كثيرا منهم يتخبط في مرحلة الدراسة وينتقل من تخصص إلى آخر من دون أن يصل إلى قناعة داخلية بأنه قد حط رحاله في المكان المناسب الذي يحقق له الرضا ويلبي نداء روحه وعقله. وقد نرى بعضهم يتنقل بين الوظائف بعد أن أنهى تعليمه الجامعي لأنه لم يجد نفسه في أي وظيفة منها.
لابد أن تعمل مؤسسات التربية والتعليم ـ بعد أن تنمي لدى المتعلمين مهارات التفكير والتحليل والحوار والاستنتاج ـ على أن تضع بين أيدي أبنائنا منذ الصغر وسائل وأدوات تختبر ميولهم وتحدد مهاراتهم بحيث يصبح من السهل على الأسرة.
فيما بعد أن تتعهد هذه المهارات بالرعاية والاهتمام إلى أن يصل الأبناء إلى مرحلة اتخاذ القرار بشأن مستقبلهم فيبادرون بوضع خياراتهم وترتيبها عن وعي واقتناع واستعداد لتحمل مشاق تحقيقها وبذل الجهد المخلص لاستحقاقها وامتلاكها. إنّ مثل هذه الأدوات تتوافر اليوم بأشكال شتى .
وهي سهلة المنال وسهلة التطبيق، يأتي معظمها في شكل اختبارات أو أسئلة تساعد الشخص على اكتشاف نفسه وتحديد المهارات الشخصية التي يمتلكها والتي من شأنها ـ إن هو تعهدها بالاهتمام- أن تحقق له شروط النجاح والتفوق والرضا والإنجاز.
فلماذا لا تتوجه مؤسساتنا التعليمية إلى الاستعانة بمثل هذه الأدوات وتستفيد منها في اكتشاف قدرات أبنائنا ومواهبهم ومهاراتهم ؟ ولماذا لا نخطو خطوة حقيقية نحو الاستثمار الحقيقي المدروس والمخطط له وفق رؤية واضحة وخطوات محددة؟
إن الاختيار واتخاذ القرار مهمة صعبة تحتاج أن يحشد المرء لها كل ما يملك من خبرات شخصية ومعارف، وأن يسخر لها كل الوسائل الممكنة؛ لأنها تتضمن دائما رسم خط جديد في لوحة المستقبل. فهل ندع هذه المهمة الصعبة ملقاة على عاتق شبابنا دون أن نعينهم عليها ودون أن نمكنهم منها؟
إن تأمل الواقع ينبئ عن أن الكثير من خطوط اللوحة يحتاج أن يمحى وأن يرسم ثانية بيد فنان قادر على بث الحياة فيها وتلوينها بروح المتبصر العارف.
جامعة الامارات