البربرية هي القاعدة.. والمدنية هي الاستثناء... إن الاستعراض السريع لأحداث القرون الأربعة التي تسيدت فيها أقوام الغرب العالم يكشف حقائق تاريخية عدة تجعلنا نعيد النظر في كل مراحل التاريخ وفلسفته.
أولاً: لقد أهملت تصنيفات المراحل التاريخية الجانب المعياري ـ الأخلاقي في الطريقة التي تتصرف فيها الجماعات التاريخية إزاء بعضها البعض، فنحن ما زلنا نشهد أن الهمجية والبربرية في عالمنا المعاصر:
في مجازر إسرائيل ضد الفلسطينيين، وفي مجازر البلقان، وفي مجازر رواندا وبروندي، وفي مجازر الأميركان في فيتنام والعراق (والشهية للمجازر ما زالت مفتوحة) موجودة في أمثولة القبائل وحروب الطوائف في زماننا.
ثانياً: وعندما ندخل الجانب المعياري (المتعارف عليه في الجامعة) للسلوك الاجتماعي في تصنيف مراحل التاريخ يصبح للهمجية والبربرية معنى آخر مختلفاً عما يتكلم عنه الآثاريون وعلماء الحفائر:
أ ـ فمن الممكن النظر إلى المجتمعات التي لا تمتلك كتابة أو دولة أو طبقات على أنها في حالة بدائية.
ب ـ ولكن الهمجية والبربرية يمكن أن تعود إلى السلوك المفرط في القسوة والوحشية والذي يؤدي إلى حالة من الوحشنة (التصرف كالوحوش).
ج ـ والسلوك الاجتماعي الذي يوصف بالهمجية والبربرية الذي يؤدي إلى حالة الوحشنة قادر على تجريد الآخرين من آدميتهم مقابل التعصب الشديد للجماعة.
د ـ إن السلوك الهمجي والبربري يجد أرضاً خصبة في الصراع بين الجماعات في ممارسة القوة وشبق القوة (إرادة القوة)، وينتقل بين أفراد الجماعة فيما يشبه العدوى وينتشر انتشار الهستريا.
ثالثاً: حسب هذا التوصيف للهمجية والبربرية، يصبح الانزلاق نحو عقلية العنف (وبخاصة المسلح في زماننا) وسلوك الوحشنة ممكنا في كل الأوضاع وأغلب الأزمنة. ان من الممكن أن يتحول المتحضر ـ المتمدن إلى همجي وبربري في سياق (CONTEXT) الصراع التاريخي ـ السعي نحو الهيمنة على الآخرين وعلى مواردهم.
وهذا يدل على أنه ليس هناك تراتبية في مراحل التاريخ، ومن البسيط إلى المعقد، ومن البدائي إلى المتمدن، ومن الهمجي إلى الراقي، إن أحد أهداف المركزية الأوروبية في أطروحة صدام المدنيات أن تبرر أخلاقياً هيمنة الغرب اللاخلقية على العالم، التي تعتبر نفسها و حدها الأقوام المتمدنة الراقية والأكثر تقدماً.
رابعاً: لقد أصبح من الضروري والحال هذه أن نتخلى نهائياً عن فكرة التقدم الخطي سالفة الذكر أعلاه، فهذه الفكرة تتنافى مع العلم وتتعارض كلياً مع وقائع التاريخ. هناك دورات تاريخية، لا نستطيع تحديد بداياتها، أو تحديد العوامل التي تطلقها، ولكننا نستطيع بكثير من الدقة تحديد دينامياتها المقارنة. دعوني أضرب ثلاثة أمثلة محددة حتى لا نتشعب في هذا الموضوع الشائك:
أ ـ عندما انفجرت أقوام الغرب وقبائله على مسرح التاريخ، وجدت أقوام أخرى ذات اقتصاديات مزدهرة أو أنها نجحت في أن تتوافق مع بيئتها في نظم رأسمالية ـ مركنتالية غير غربية. نحن نتحدث عن ثلاث مناطق جيوسياسية: المشرق العربي الكبير، والهند والصين.
انهارت اقتصاديات هذه المناطق بفعل السياسات الاستعمارية طوال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وها هي منطقتان: الهند والصين، تستعيد اقتصاداتهما عافيتهما تدريجياً، ما عدا منطقة المشرق العربي الكبير، لأسباب سنعود لذكرها بعد قليل، المؤرخون الاقتصاديون حتى الآن لا يدركون ديناميات هذه الدورة في الصراع التاريخي، إلا عندما يتعلق الأمر بإنتاج السلع والسلوك الاستهلاكي في الدورة التجارية.
ب ـ والمثال الآخر هو الدور الذي لعبته كل من بريطانيا وفرنسا في اختراع الدولة الاتحادية في شمال أميركا، ونقصد الولايات المتحدة في سنة 1776.
إن دورة الصراع بين بريطانيا وفرنسا طوال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، والذي اتسم بأقصى درجات الهمجية والبربرية وبخاصة في الأحداث التي صاحبت ميلاد الولايات المتحدة، الذي أكمل أضلاع المثلث الجهنمي الذي يهيمن الآن على الصراع في منطقة المشرق العربي الكبير.
إن التحليل التاريخي لسياسات هذا المثلث الجهنمي (العمود الفقري للإمبراطورية) كفيل بالكشف عن تناوب حالات الانفراج والتوتر ضمن أضلاع المثلث، وضمن محيط منطقة المشرق العربي الكبير.
جـ ـ والمثال الثالث والأخير هو الدور الذي لعبته بريطانيا عندما جاءت إلى العراق كمحرر(!) من نير العثمانيين سنة 1918. فما لبثت بعد سنتين حتى استعملت أسلحة الدمار الشامل (قنابل الغاز السام) ضد ثوار سنة 1920.
وها هي تأتي مرة ثانية كمحررة(!) للعراق من نير حكم البعث سنة 2003، لمنع نظام البعث من تطوير أسلحة الدمار الشامل. هذه ليست مفارقة تاريخية فقط، إنها توضح بجلاء فعل الدورة التاريخية في الصراع الدولي بين الأقوام والأمم.
الدور الجهنمي الذي لعبته بريطانيا في تقسيم فلسطين سنة 1948، ستلعبه مرة أخرى في تقسيم العراق المحتمل سنة 2006 بالتعاون مع ضلعي المثلث الجهنمي الآخرين، وهكذا كانت بداية الدورة التاريخية سنة 1918، ونشهد الآن نهايتها في سنة 2006، ونهايتها تمثل تداعيات ممهدة لدورة جديدة من الصراع التاريخي.
نحو فرقعة مقولة حتمية الإصلاح من الخارج
إننا نتخلى بدون مبرر عقلاني أو سند موضوعي عن الفرضية التي نتداولها كثيراً في المشرق العربي، دون ان يتسنى لنا ان نخضعها للفحص والتمحيص، وهي الفرضية التي مؤداها ان التبعية للغرب تمثل احد أسباب تخلف منطقة المشرق العربي الكبير بسبب كون لهذه التبعية خصوصية تاريخية تجعلها تختلف عن تبعية العالم الثالث.
والخصوصية مصدرها:
1ـ قرب المشرق العربي الكبير من الغرب يجعل المشرق العربي طوقاً استراتيجياً يحيط بأوروبا من ثلاث جهات، ويهدد نظريا العمق الأوروبي.
2ـ كون العرب في مواجهة ثقافية متصلة مع الغرب، تكتسب في الغالب صفة الصراع الديني ـ القيمي بأبعاده الرمزية.
3ـ العقلية الاستراتيجية الغربية التي تعتبر ان منطقة المشرق العربي الكبير جزءاً من المجال الحيوي الغربي، وبالتالي فإن إخضاع العرب وتدمير معنوياتهم واستيعاب عنفوانهم مستلزماً أساسيا لاستمرار هيمنة الغرب وبقاء امبراطوريته.
4ـ ولا يضير صدق هذه الفرضية، ولا يمكن رفضها لمجرد أن الإسلاميين أو اليساريين يقولون بها. كما لا يضعف صدقها الادعاء أن الغرب قد تغير وصلح أمره، ولا يريد للضعفاء وفقراء بقية الأقوام إلا الخير. إن الاستعراض التاريخي القصير الذي مر بنا أعلاه يقودنا إلى الفرضية الأعم تاريخيا، ومؤداها:
ان مدنية الغرب وتفوقه مبنيان على شقاء الآخرين وتخلفهم. هذه الفرضية تتناقض تماماً مع مقولة ان الغرب يريد أن يصلح نظمنا الخربة والمنخورة لان في ذلك ضمان لمصالحه، تأسيساً على ان هناك مصالح مشتركة بيننا وبين الغرب.
ان المقولة الأصدق الأقرب إلى الواقع هي التي تقول ان الغرب يريد إصلاح نظمنا بالقدر الذي نحقق نحن له مصالحه المبنية على استمرار هيمنة الامبراطورية .
وازدهارها ان أياً من قوى العالم الثالث لن تنجح في دخول معادلة القوى السائدة ما لم تتحول إلى شريك ضالع في شبكة علاقات الامبراطورية الأخطبوطية. هذه الشبكة تمثلها رمزيا الحرب على الإرهاب (نحاربهم في عقر دارهم حتى لا نضطر لمحاربتهم في عقر دارنا) والتحول إلى الديمقراطية (نشر الذهان القومي الأميركي على مستوى العالم).
5ـ ان السياسة الدولية في عرف الغرب تتلخص بكل بساطة في معرفة العدو من الصديق. وهذا المبدأ الذي يقيم فيه الغرب علاقاته مع الآخرين منذ زمن ميكافيللي حتى يومنا هذا. وقد وضع له كارل شميدت، أهم فقيه دستوري أوروبي في القرن العشرين تقنيناً محكماً يتحول بموجبه النازيون إلى ليبراليين تسلطيين.
لم تتحقق إرادة كارل شميدت إلا في زمن الردة الرجعية الحالية، بدءا بالساداتية عندنا في المشرق العربي الكبير والتاتشرية والريغانية في الغرب. فإذا أخذنا بمبدأ كارل شميدت في تحديد العدو من الصديق، وإذا كانت الولايات المتحدة تريد نشر الديمقراطية بيننا.
وإذا كان ارييل شارون رجل السلام، وإذا كانت فرنسا تريد الحفاظ على وحدة العراق، وإذا كانت تركيا ضمان لمنع الأكراد من الانفصال، وإذا كانت إيران تتعاون مع قوات الاحتلال الأجنبي، يصبح العرب بلا أعداء، وهذه واحدة من أندر الوقائع في التاريخ.
6ـ آمل ان نكون قد توفرت لنا الحكمة في ان نتخلى عن النظريات السطحية المبتذلة التي تريد إقناعنا بأن الغرب قد تخلى عن بربريته، وان سر تفوقه الحالي هو الانتصار التاريخي للرأسمالية الليبرالية ـ الديمقراطية على الشمولية الاشتراكية ـ الثورية.
ان الذي يحكم أقوام الغرب الآن ليس الرأسمالية الليبرالية وإنما القوى الرجعية المحافظة (المحافظون الجدد) والقوى الليبرالية التسلطية (العماليون الجدد والاشتراكيون الديمقراطيون الجدد).
هم الذين يزرعون الخوف في نفوس المواطنين، ويتاجرون ببضاعة الإرهاب: الخطر الإسلامي (الخطر الأخضر)، ومن قبله الخطر الشيوعي (الخطر الأحمر).
ومن قبله خطر الصين وأقوام شرق آسيا (الخطر الأصفر) ومن قبله الخطر التركي ـ العثماني. كل مشاريع الإصلاح في الغرب تأتي بشكل حروب صليبية: من الحرب من أجل الديمقراطية، إلى الحرب على الفقر، والآن الحرب على الإرهاب.
الثورة المحافظة
وانحسار العقلانية الواقعية
لقد صنع منظرو الرجعية الأميركية العلمانية ومؤدلوجها الدينيون ثورة محافظة للرئيس الأميركي بوش الابن تقوم على:
أ ـ نشر الديمقراطية في العالم العربي والعالم غير المتحضر من خلال إصلاح أنظمتها المعطوبة المنخورة. وهي ديمقراطية تستجيب للذهان القومي الأميركي وليست لها علاقة بالواقع.
ب ـ تغيير الأنظمة حول العالم حسبما تراه الولايات المتحدة.
جـ ـ توفير الأمن للمواطنين من خلال تحقيق الأمن للإمبراطورية ومجمعها الصناعي ـ العسكري.
في مواجهة الأوضاع المتردية في العالم الثالث، كل الذي استطاعت الثورة المحافظة العطوفة للرئيس بوش عمله هو تزيين النظم التسلطية بقشرة شفافة رقيقة من ـ الممارسات الديمقراطية بدون محتوى ديمقراطي حقيقي. ولم تواجه هذه الثورة المتخمة بالأوهام حقيقة ان القرب من الغرب احد أسباب عطب أنظمة العالم الثالث، فأغلب هذه الأنظمة المعطوبة صديقة(!) للغرب.
أما مهنة تغيير الأنظمة فهو نشاط مارسته الولايات المتحدة بدءاً بسوريا سنة 1948 واستمرت تمارسه من ذلك الحين حتى يومنا هذا. ولم يثمر هذه النشاط الا تنصيب أنظمة حكم مغرقة في الاستبداد ومغرفة في التسلط ومغرفة في الفساد من رأسها حتى أخمص قدميها.
ان الثورة المحافظة العطوفة قد خاضت حرب تحرير العراق نيابة عن ولمصلحة المجمع الصناعي ـ العسكري للإمبراطورية، وها هي شركاتها الاحتكارية تجني ثمار الحرب وتوزع خيراتها على الكومبرادور المنتفعين العرب وغير العرب. ولكن هذه الثورة الرعناء لم توفر الأمن للمواطنين بل جعلتهم عرضه لعشوائية الانتقام وردات الفعل المتشنجة.
ليس هناك مبرر موضوعي لكي يكون الوضع بهذه الصورة. بإمكان الغرب ان يتخلى عن بربريته المتأصلة، وان يلعب دوراً ايجابياً في تحقيق المجتمع العالمي المبني على العدالة المعولمة، ولكن ذلك لن يتحقق بسبب تمسك الغرب برأسماليته الافتراسية وتعنت نخبته العنصرية المدفوعة بشبقية القوة، وبسبب تقديم مصالح الإمبراطورية على مصالح الشعوب. لقد أجمل المؤرخ الإثاري ستيوارت بيغوت المسألة (في كتابة أوروبا العتيقة المنشور سنة 1963) بالقول:
ان البربرية هي السلوك المعياري السائد في المجتمع الإنساني، أما المدنية فهي الاستثناء من القاعدة. ومع ان جميع الأقوام معرضون للانزلاق نحو البربرية والسلوك الهمجي (كما حصل في سجن أبو غريب وسجون البصرة في العراق)، إلا ان البربرية على ما يبدو، قد تأصلت في بعض الأقوام أكثر من غيرها.
يذكيها شبق القوة، وممارسة القوة، وجشع الرأسمالية الإفتراسية. من المحزن ان العرب يواجهون هذه الحقيقة وهم في حالة من الوهن وفقدان العنفوان ومع الأسف لم يتسن لأمة ما ـ والحالة هذه ـ ان تستقيل من التاريخ.
مفكر وعالم اجتماع كويتي