العتب العراقي على الدور العربي، الغائب والمفقود، مزمن ومشروع، عمره من عمر هذا الغياب، الذي فرضته أسباب كثيرة متداخلة، تتقاطع جميعها عند حالة الوهن العامة السائدة في المنطقة.
وأيضاً صحيح ومشروع القول بأن التحرك العربي الأخير، عن طريق الجامعة وباتجاه العمل على عقد مصالحة وطنية عراقية، جاء متأخراً. كان من اللازم والمفروض أن تحصل صحوته من زمان. لكن إذا كانت مقولة:
«تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي أبداً»، صحيحة وتنطبق على الحالة الراهنة؛ فإن انطلاق هذا الدور، متمثلاً بوفد الجامعة العربية الذي يقوم حالياً بزيارة بغداد، يجب أن يعطي الفرصة ويحظى بالتسهيل. بل يجب أن يتم التعامل معه بذهنية الترحيب بعودة الغائب، إذا جاز التعبير.
ويتطلب ذلك، فيما يتطلب، الاستماع إليه وإفساح المجال لمهمته الاستطلاعية التحضيرية. وذلك من جانب الأطراف كافة؛ التي تعاطي معظمها معه وفق هذه القواعد والأصول. لكن يبدو كأن ثمة من أغضبته هذه المهمة ولم تحظ سوى برفضه.
وهذا من حقه. لكن أن يتم التعبير عن هذا الرفض باستهداف الوفد وإطلاق النار على موكبه غرب بغداد حيث سقط ثلاثة قتلى من المرافقين؛ فذلك مؤسف ومدان ويضرّ بمصلحة العراق بقدر ما يضرّ بمصالح التضامن العربي الذي يحتاج واقعه الحالي إلى تكلّل هذا الدور بالنجاح، ليأخذ منه شحنة تزخيم تعيد إليه شيئاً من الحياة والفعالية.
ناهيك عن مصلحة الجامعة العربية والحاجة إلى تفعيل دورها وإبرازه، لأنها تبقى الرابط الذي يمكن الاستعانة به لمواجهة التحديات الكبيرة والمصيرية.
وها هي الآن تقوم بمبادرة، على الأرض، تتقاطع عندها مصالح كل المعنيين بالوضع العراقي وتعقيداته والمخاطر التي يختزنها. وهي بكل حال محاولة. وعراق اليوم يحتاج لكل المحاولات وكل الأصدقاء فما بالك بالإخوة والأشقاء.
وبقدر ما هو مطلوب من الجامعة ووفدها متابعة المهمة حتى النهاية، على الرغم من دموية الحادثة ومن المخاطر المحيطة بدورها؛ بقدر ما ينبغي أن يتضاعف الدعم والمساندة بل الترحيب لهذا الدور وإزاحة الألغام السياسية وغيرها من طريقه.
لاسيما وأنه لن يترتب على هذا التحرك أية كلفة أو التزامات. ففي نهاية المطاف الكلمة الأخيرة للعراقيين. بألوانهم ومواقعهم كافة. فلهم وحدهم أن يقبلوا أو يرفضوا.
وعلاوة على ذلك، لهذا المبادرة أهمية إضافية من حيث توقيتها فهي تأتي قبل أيام قليلة من الاستفتاء على الدستور، الذي رفع من درجة الغليان السياسي. وربما أمكنها، من خلال مداولاتها واتصالاتها وطروحاتها، صب بعض الماء البارد على الحالة الساخنة في العراق، وحتى إن لم توفق فلن تكون لها أي آثار سلبية. العراق غابة أمنية مفتوحة.
الأمل أن تكون حادثة إطلاق النار على موكب وفد الجامعة، مسألة عرضية، قامت بها جهة هامشية للتخريب على الوساطة. أية وساطة. والرد عليها لا يكون إلا بالإصرار على اجتناب الفشل.