أكثر من اشتباك في غزة بعضها يتجاوز المعارك بين الفصائل إلى مواجهات بين القوى المسلحة الرسمية، ومع ذلك فهناك تصميم على ضرورة إنهاء هذا التدهور في مفهوم السلاح، فسلاح المقاومة عندما يتحول إلى غير هدفه الأساسي فهو يفقد بريقه وتألقه وصفته النضالية ليتدنى إلى مجرد سلاح للجريمة.

وفي غزة تأكيدات كثيرة على أهمية صون السلاح المقاوم وعدم تعريضه للمشكلات اليومية وإلى المشاحنات ذات الطابع الفئوي، والتي يندرج تحتها حتى مجرد سوء التفاهم بين هذا الفصيل أو ذاك، وينبغي الحفاظ على الصورة المتميزة لسلاح المقاومة، فالحرص على ذلك يعني التزاما قويا بأسس النضال وأدبياته التي تفترض ألا تتوجه البندقية الفلسطينية إلى صدر فلسطيني.

وقد كانت غزة التي شهدت مؤخرا الكثير من صور الانفلات الأمني، كانت ولا تزال تحتفظ بالصورة النقية للمقاومة النقية الأصيلة التي لاتزال أصداء انتصاراتها ماثلة في الأذهان، ولا تتعلق المسألة بتاريخ يروى، وإنما هو أمر رهن الحضور.

فالانسحاب الإسرائيلي الذي انتهى للتو هو في الأساس انسحاب أمام قوة المقاومة وشدة الانتفاضة، إلى الدرجة التي اقتنعت معها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بأن ليس من مصلحتها استمرار وجودها في هذه الأرض التي لم تعد تحتمل أي نوع من الاحتلال، وصارت تلقن الإسرائيليين دروسا يومية في العزم على التحرير.

ومن ثم فإن الأمثلة من غزة هي التي تغذي هذا التوجه الصادق من أجل الاحتفاظ بجذوة النضال حية على الدوام، فمن شأن التحلي بذلك واستحضاره دوما أن يصرف الأذهان عن الصغائر التي تدفع إلى الصراع بين الأشقاء، والتي من صورها محاولة الاستقواء بسلاح المقاومة ذاته أمام الأشقاء الآخرين في الفصائل الأخرى.

وسيكون من المفيد أن تبادر كل الفصائل إلى تأكيد عزمها على الالتزام بالإبقاء على سلاح المقاومة نقيا، وذلك من خلال تفادي الصراعات والمناوشات، وعدم الاستجابة إلى الاستفزازات غير المسؤولة التي قد تصدر من أناس تقصر مداركهم عن استيعاب الهموم الفلسطينية الكبرى، التي تفترض وجود صف فلسطيني متوحد ومتراص وقوي أمام عدو شرس يتحين أي فرصة للانقضاض على الوحدة الفلسطينية.

ويسعد إسرائيل كثيرا أن يتسرب الوهن والضعف إلى الصف الفلسطيني، وأول صور هذا الوهن أن تكثر المواجهات ومظاهر الاستعراضات المسلحة بل وكافة المظاهر المسلحة التي تنطوي على تحد واستدراج للانخراط في معركة ما.