يا لروعة الديمقراطية الغربية حين تتجلى بأبهى حللها وتسمح دون امتعاض لمسؤول أجنبي بأن ينتقد مؤسسة الرئاسة في عقر دار البلد الذي يزعق ليل نهار بأنه ممثلها الأعلى وحارسها الأمين على امتداد البسيطة ويا لمحاسن الصدف حين تتناغم تلك الانتقادات مع ما أدركته إدارة ذلك البلد بعد فوات الأوان مع كل أسف.
في مقالة كتبها أخيراً والتر لاكيير، مدير معهد واشنطن للدراسات الاستراتيجية، يؤكد الباحث أن «العراق ليس المشكلة الوحيدة التي تواجهها الولايات المتحدة حالياً ولا يُنْصَحْ بتخصيص موارد مفرطة في هذا البلد».
وعندما يجيء الكلام على لسان مراكز الدراسات في الولايات المتحدة، فلابد أخذه على محمل الجد وقراءة ما بين سطوره، فكيف هو الحال وذاك الكلام واضح لا يعتليه غبار.
سيمفونية هذا النوع من المعزوفات الغنائية طويلة وتمتد من بغداد إلى واشنطن مروراً ببؤر توتر أخرى عبر العالم، للأميركيين اليد الطولى فيها وهو لم يعد يقتصر على المؤسسات الرسمية أو البحثية، بل امتد إلى الشارع في غير عاصمة عالمية، حيث خرجت دعوات صريحة تنادي بخروج قوات الاحتلال الأنغلو أميركي من بلاد الرافدين وذلك إما تعاطفاً أو للنجاة بالنفس من المستنقع الدموي هناك.
وهنا يأتي دور الأطراف الإقليمية، التي لم تحرك ساكناً حتى اللحظة رغم طوفان الدم والمعاناة التي تجتاح شعباً ما كاد ينعم بالتخلص من كارثة الديكتاتورية حتى وجد نفسه صريع أبشع ألوان احتلال بات يهيم على وجهه في صحراء صفراء لا تعرف للرحمة سبيلاً.
إذ يؤكد لاكيير في المقالة نفسها أن البنتاغون تعتقد بأنه «في حال وجود فترة لمدة كافية ـ لنقل نحو ثلاث سنوات ـ فإنه ستكون هناك فرصاً عقلانية لأن تكون القوات المسلحة والأمنية في العراق قوية بشكل كاف لمواجهة المسلحين والحيلولة دون وقوع حرب «أهلية».
من حق الشعب العراقي على الجميع أن تمتد يد العون له في هذه المحنة التاريخية، التي تدمي قلب القاصي والداني على السواء، لكن لسان حاله يكاد ينطق بالقول: إلى متى ستبقى مصائر الناس لعبة يتلهى بها السياسيون حسب أهوائهم؟
فالمسألة هنا لا تتعلق بألعاب الفيديو أو الأفلام السينمائية التي يبطش فيها الجميع بالجميع وتراق فيها دماء ويقتل أناس وهميون أو متخيلون ومن ثم يذهب الطفل ليخلد في سريره مرتاح البال وكأن شيئاً لم يكن.
وإنما بأشخاص حقيقيين من لحم ودم ولهم أسماء وألقاب محددة ومسجلين في دفاتر دائرة النفوس ولهم مشاعر وأحاسيس وأحلام ويبكون ويفرحون إذا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.
فطوبى ليد تمد منديلاً تمسح به أم دموعاً تذرفها على فقد عزيز غالٍ وبوركت اليد التي تمتد بالعون لأب ضاقت به السبل ولا يجد ما يسد به رمق فلذات كبده. لكن لا وألف لا لمن يحاول الصيد في الماء العكر بهدف خلط الأوراق وإخراج المحتل من حفرة حفرها بنفسه فوقع فيها وفي وجهه بعض من ماء..
ونعم ألف نعم للجهود التي تبذل على الساحة العربية والتي توجت أخيراً بعقد الاجتماع الوزاري للقمة العربية، الذي تمخض عن قرار قد يدخل التاريخ إن أحسن استخدامه والقاضي بإيفاد الأمين العام للجامعة العربية إلى بغداد للتحضير لعقد مؤتمر عراقي للمصالحة الوطنية.
لكن على أن تصب كل تلك الجهود في مصلحة من يرزحون تحت وطأة المعاناة وليس في مصلحة من تسبب بها. ولتكن اليد العربية هي الطولى في معالجة هموم وقضايا وطن ضاقت به الآهات والأحزان وشكلت دموعه محيطات ممتدة بلا نهاية، لن يكفكفها إلا أبناء جلدة من يذرفونها.