تشمل العملية الاقتصادية القوى والقرارات والنشاطات والمؤسسات التي تقوم بصياغة وإدارة الشؤون الاقتصادية والمالية والتجارية للأمم والشعوب.
وتقوم هذه العملية بأداء مهامها عادة من خلال التجاوب مع قوى السوق التي يسيطر عليها المنتجون والمستهلكون، والاستجابة لمصالح رجال الأعمال الاستثمارية ومطالب الشعب في خلق فرص عمالة جديدة وتوفير الخدمات الضرورية، خاصة في مجالي البنية التحتية والاتصالات.
إلى جانب ذلك تتأثر هذه العملية بتغير أذواق المستهلكين، وزيادة درجة الوعي الصحي والاجتماعي لدى فئات الشعب المختلفة، وتطور تكنولوجيا الإنتاج، وتنوع فرص الاستثمار.
وتزايد الاستعداد الفردي والجماعي لقبول فكرة وشرعية الربح المجرد. وحيث أن الأرباح والثروات تتكون نتيجة لإنتاج وبيع بضائع وخدمات مرغوبة من قبل مستهلكين ومنتجين متواجدين في كل مكان، فإن مجال العملية الاقتصادية يشمل كل الساحات المحلية والوطنية والدولية.
كان للعملية السياسية أو الدولة دور مهم في نمو العملية الاقتصادية وتنوع نشاطاتها واتساع مجالات عملها، وذلك بسبب الحماية التي وفرتها الدولة للتجار والمزارعين وأصحاب الحرف المختلفة لممارسة نشاطاتهم الإنتاجية والتسويقية.
إن حاجة العملية الاقتصادية للحماية والتشريع دفعتها إلى التحالف مع العملية السياسية، خاصة في مراحل تشكيلها الأولى وأثناء فترة تأسيس الدولة القومية وقيام بعض الدول الأوروبية بنشاطات استعمارية استهدفت نهب ثروات الشعوب الفقيرة والضعيفة في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية ومنطقتنا العربية. إلا أن علاقة التعاون بين تلك العمليتين تطورت فيما بعد إلى علاقة تنافس سادها التوتر في الكثير من الأحيان والحالات.
لكن رغم نجاح العملية الاقتصادية في التحرر من سيطرة الدولة في غالبية الدول الصناعية، إلا أن العملية السياسية استمرت في السيطرة على العملية الاقتصادية ودأبت على القيام بتحديد مجالات عملها والحد من حريتها واستغلال إمكانياتها، خاصة في الدول النامية، ومن بينها الدول العربية.
إن قدرة العملية الاقتصادية، وذلك بخلاف العملية السياسية، على تسويق منتجاتها وتحقيق الربح حيث يتوفر الطلب وظروف العمل المناسبة جعل بإمكان هذه العملية، ومن مصلحتها أيضا، العمل على كل الساحات دون استثناء.
وحيث أن دافع الربح كان ولا يزال العنصر المنظم لنشاطات هذه العملية ومحور كل القرارات الاقتصادية، فإن الاعتبارات الربحية، وليس الاعتبارات السياسية أو الاجتماعية أو الوطنية، أصبحت القوة المهيمنة على هذه العملية والهاجس الأكثر تأثيرا في تشكيل علاقاتها بالعمليات المجتمعية الأخرى.
وبينما كانت الثورات العلمية والتكنولوجية، خاصة ثورتي الاتصالات والمعلومات، تقوم بتدويل أسواق المال والاستثمار وفتح المجال لتحرك رؤوس الأموال والكفاءات البشرية بحرية كبيرة عبر الحدود السياسية، كانت العملية الاقتصادية تقوم بصبغ العملية الإعلامية-المعلوماتية والكثير من أوجه الحياة الثقافية بصبغة تجارية.
ساهمت ثورة الاتصالات وتبعات العولمة الثقافية في تشجيع العملية الاقتصادية التركيز على الأسواق الكبيرة حيث تتوفر أفضل الفرص لتحقيق الربح، مهملة بذلك الأسواق المحلية الصغيرة. ولقد ترتب على ذلك حدوث تفاوت كبير في معدلات النمو الاقتصادي والدخل ومستويات البطالة والمعيشة بين الفئات الاجتماعية المختلفة والمناطق الجغرافية المتجاورة داخل حدود الدولة الواحدة.
وفي الواقع، أصبح حجم السوق الذي تحدده أعداد السكان ومستويات الدخل ونوعية الموارد الطبيعية والبشرية المتاحة ومعطيات البيئة الثقافية والسياسية والقانونية السائدة، أهم حوافز الاستثمار واعتى العقبات التي تحول دونه.
إن طبيعة تلك الظروف وتفاوت درجات جاذبيتها للاستثمارات الخارجية فرضت على رأس المال أن يتوجه نحو بلاد ومناطق معينة وإهمال بلاد ومناطق أخرى.
ورغم اعتقاد البعض أنه لا يزال هناك «رأس مال وطني»، فإن رأس المال أصبح اليوم عالمي الأبعاد والأهداف بلا هوية، هلامي الشكل لا يمكن الإمساك به أو التحكم في حركته أو تحديد مساراته أو مكان إقامته. إنه رأس مال بلا مالك معروف، ليس له وطن أو عنوان أو قضية أو هدف سوى هدف تحقيق المزيد من الربح، بغض النظر عن الاعتبارات السياسية والعقائدية والثقافية والاجتماعية.
ساد الاعتقاد في الماضي أن «الحاجة أم الاختراع» مما جعل هذه المقولة تصبح من الحكم المألوفة والمقبولة التي لا تحتاج إلى نقاش أو جدال أو تفكير كثير.
ورغم استمرار قيام الحاجة بدور محفز على الاختراع والابتكار، إلا أن الثورات التكنولوجية المتتابعة وما ترتب عليها من نشاطات بحثية وتبعات اجتماعية قامت بقلب تلك المعادلة رأسا على عقب، حيث أصبح «الاختراع أبا الحاجة».
لقد كانت مأسسة البحث العلمي والتطوير التكنولوجي ودخول تلك النشاطات في صلب العملية الإنتاجية أهم العوامل التي مكنت الاختراع من خلق حاجات ورغبات فردية وجماعية جديدة لم تكن معروفة من قبل، وبالتالي جعل الاختراع أبا الحاجة.
إن الكثير من الاختراعات الجديدة التي تصل الأسواق بدون توقف هي نتاج طبيعي، وأحيانا تلقائي، لعمل مؤسسات البحث العلمي والتطوير التكنولوجي التي تملكها الشركات الكبيرة والصناعات الرئيسية وجزء من إفرازات البحوث التي تُجرى لصالح تلك الشركات والصناعات من قبل مؤسسات الأبحاث التجارية والأكاديمية.
ومما ساهم بفاعلية في جعل الاختراع أبا للحاجة تصاعد دور وقدرات العملية الإعلامية-المعلوماتية في توفير المعلومات العلمية والتصاميم التكنولوجية للمبدعين والحرفيين، وربط الأسواق العالمية بعضها ببعض.
والترويج للبضائع الجديدة، والتلاعب الواعي بأذواق المستهلكين. إن الترويج لبضائع جديدة، أحيانا قبل وصولها إلى السوق، يؤدي عادة إلى خلق رغبات جديدة لدى المستهلكين، ويخلق لديهم شعورا بحاجات لم تكن موجودة أو معروفة من قبل.
ويتم التعاون بين العمليتين الاقتصادية والإعلامية-المعلوماتية في هذا المجال خدمة لأهداف مشتركة ومصالح متبادلة، محورها الهيمنة على أذواق المستهلكين وإعادة صياغة مواقفهم والتلاعب في عواطفهم ومخاوفهم وتحقيق الربح على حسابهم.
وعلى سبيل المثال، أدى التركيز الكبير والمتواصل على خطر الجريمة في أميركا إلى انتشار الخوف وترسخه في عقول وقلوب الناس عامة، وتبلور الحاجة للحماية من أخطار الجريمة بشكل عام.
وهذا أدى إلى إقامة صناعة جديدة لتقديم الخدمات الأمنية وتصنيع الأجهزة الالكترونية للإنذار المبكر والوقاية من الأخطار قبل وقوعها. ومع حلول عام 2000 كان حجم صناعة الخدمات الأمنية في أميركا قد تجاوز المليار دولار سنويا.
ورغم تواضع الحاجة للحماية الأمنية في دول العالم الثالث، ومنها الدول العربية، إلا أن الشعور بالحاجة للحماية الشخصية أصبحت هاجسا لدى الفئات الثرية ورجال الأعمال، كما أصبح استخدام أجهزة الإنذار في السيارات والبيوت جزءا من حياة الميسورين وثقافاتهم السائدة في كل دول العالم.
إن استمرار تطور العملية الاقتصادية وتصاعد أهميتها المجتمعية والعالمية أدى إلى تحررها من هيمنة العملية السياسية في المجتمعات الصناعية عامة، والمجتمعات الأوروبية والأميركية خاصة.
إلا أن استمرار تعثر محاولات التنمية والتصنيع في غالبية دول العالم الأخرى أدى إلى تعميق وتجذير العلاقة التعاونية بين العمليتين.
وهذا كان من شأنه تبادل الأدوار وتلاحم المصالح وقيام الفئات المسيطرة على العمليتين بالاستحواذ على مصادر القوة والثروة في المجتمع واستغلال الفقراء واحتكار كل النشاطات الاقتصادية والتجارية والمالية والسياسية وتسخيرها لخدمة مصالحها الفئوية والطبقية.
professorrabie@yahoo.com
أكاديمي أميركي من أصل عربي