«من المهم أن نتحدث مع بعضنا البعض، لكن ذلك لا يعني أنني أتفق مع كل شيء تقولونه أو أن توافقوا على كل ما أؤمن به» هكذا خاطبت «كارين هيوز» وكيلة وزارة الخارجية الأميركية لشؤون الدبلوماسية العامة المؤتمر السنوي الثاني والأربعين للمجتمع الإسلامي الشمال أميركي الذي عقد في شيكاغو الشهر الماضي.
وحضره ما يقارب الأربعين ألف مسلم يمثلون منظمات إسلامية وأفرادا يتبنون سياسة مشتركة للتعريف بالإسلام، تدعم المجتمعات الإسلامية، وتعمل على تطوير البرامج التعليمية والاجتماعية وتعزيز التواصل. وقد نددت «هيوز» خلال الاجتماع بالكراهية الموجهة إلى المسلمين، وشددت على أنها مرفوضة بدرجة الرفض نفسها لأعمال العنف التي ترتكب باسم الدين.
تُرى إلى أي مدى شفعت هذه الخلفية التي أتت بها مستشارة الدبلوماسية الشعبية الأميركية كي يتقبلها الجمهور في الدول التي زارتها أواخر الشهر الماضي في بداية مهمتها التي اعتبرتها هي محاولة لمد جسور التفاهم بين الولايات المتحدة وشعوب العالم الإسلامي.
واعتبرها الآخرون محاولة لتحسين وجه أميركا الذي تراه شعوب الشرق الأوسط قبيحا حسبما توصلت لجنة كلفها الكونجرس الأميركي بتقييم صورة أميركا وسمعتها في العالم العربي؟
ربما لم يكن اختيار السعودية ومصر وتركيا محطات لمهمة المسؤولة الأميركية ـ التي يصفها البعض بالمستحيلة ـ عشوائيا بقدر ما يمثل تدرجا بين العلمانية والاعتدال والتطرف ( الشعبي ) كما تراه دوائر وزارة الخارجية الأميركية التي انضمت «هيوز» إليها مؤخرا مستشارة للدبلوماسية الشعبية، في مسعى لتحسين صورة أميركا لدى العالم.
هذه الصورة التي يذكر تقرير لجنة الكونجرس نفسه فيها أن الولايات المتحدة لم تعد تمثل شعلة الأمل والحرية لدى العديد من شعوب العالم الذين استطلعت آراءهم، وإنما غدت ترتبط في أذهان هذه الشعوب بالقوة الخطيرة التي يجب مواجهتها. فما الذي قالته «هيوز» خلال جولتها وما الذي لم تقله، وما الذي سمعته وما الذي لم تسمعه؟
ما قالته «هيوز» كما بثته وسائل الإعلام لم يتعدّ الخطاب التقليدي الذي ما فتئ المسؤولون الأميركيون من مختلف المستويات يرددونه على أسمعانا في كل مناسبة، وبدون مناسبة أحيانا، والمحصور في مواجهة الإرهاب والتصدي له.
وهي دعوة يرى البعض أن ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، واضعين في الاعتبار المفهوم الأميركي للإرهاب. وهو مفهوم يحظى بالرفض لدى أغلب شعوب العالم، ولا ينال سوى قبول قلة لا تستهدفها مهمة »هيوز» بطبيعة الحال.
خطاب «هيوز» للفئات التي قابلتها، والتي مثلت قطاعات مختلفة من المجتمع كان من نوع: ( إنني آمل أنه في الوقت الذي يواجه فيه عالمنا التهديد المشترك للإرهاب.
أن تنظموا وتترابطوا للإعلان عن معارضتكم للقتل والقضاء على الأرواح البريئة والقتل دون تمييز الذي يعد جزءاً لا يتجزأ من الإرهاب في الوقت الراهن ) موجهة حديثها إلى مجموعة من الطلبة المصريين الحاصلين على منح دراسية أميركية، التقت بهم في الجامعة الأميركية بالقاهرة.
أما في المملكة العربية السعودية فقد تركزت محاور لقائها مع مجموعة من الطالبات السعوديات بدار الحكمة حول قضايا المرأة والتعليم والعمل، وسمعة أميركا لديهن، ومعرفة ملاحظاتهن ومكامن نقاط انتقادهن.
وقد لاحظ الحاضرون تملص الدبلوماسية الأميركية من أسئلة الطالبات حول الأشكال التي تنوي بلادها اتخاذها لتحسين سمعتها في الخارج وربط تحسين السمعة بالقضايا العربية والإسلامية.
أما في تركيا فقد وُوجهت «هيوز» بانتقادات قوية من قبل فريق من الناشطات التركيات بسبب غزو أميركا للعراق دفعتها إلى القول: (للحفاظ على السلام في بعض الظروف تعتقد بلدي أن الحرب ضرورية ) لترد عليها فراي سلمان المدافعة عن حقوق الإنسان قائلة :
( إن الحرب ليست ضرورية من أجل السلام، ولا يمكن بأي شكل من الأشكال تصدير الديمقراطية والحرية من دولة إلى أخرى ). ولتعلق الناشطة هدايات سفكاتلي تكزال على اللقاء قائلة: ( لقد شعرت بأنني جرحت شخصيا وأهنت هنا في المؤتمر بالإجابات التي قدمتها هيوز ).
خلاصة الجولة أن «هيوز» قد استُقبلت بالترحاب من قبل الرؤساء والملوك والرسميين في الدول التي زارتها، رغم أنها غير معنية بهم أو ليسوا داخلين في دائرة مهمتها مع أنهم نالوا اهتمامها، بينما قوبلت بكثير من الأسئلة التي ظلت معلقة دون إجابات مقنعة للمواطنين العاديين وأفراد منظمات المجتمع المدني المستهدفين من قبلها.
مهمة «هيوز» الرئيسية كما أفصحت عنها بعد شهور من توليها منصبها هي وضع إستراتيجية طويلة الأمد لضمان انتشار الأفكار الأميركية. هذه الإستراتيجية تتألف من بنود ثلاثة هي: تطوير رؤية إيجابية من الأمل في نشر الديمقراطية في العالم، وعزل المتطرفين دينيا، وتعزيز القيم العامة المشتركة بين الثقافات المختلفة.
ليست المشكلة ـ كما يرى الدكتور ادموند غريب أستاذ دراسات الشرق الأوسط في الجامعة الأميركية بواشنطن ـ في طريقة تسويق أميركا للعالم، وإنما في السياسة الأميركية نفسها:
( المشكلة ليست في البائع، ولكن في البضاعة. فما لم تتغير نوعية البضاعة التي تقدمها الولايات المتحدة من خلال سياساتها الخارجية إزاء العرب والمسلمين ستستمر موجة العداء لأميركا، وسيتواصل التوتر الحالي، وتستمر الفجوة القائمة حاليا بين الرأي العام العربي وبين السياسة والإدارة الأميركية) فهل تستطيع «هيوز» أن تغير بضاعة بلدها كي تتمكن من تسويقها؟
يقول «إدوارد مورو» الرئيس الأسبق لوكالة الإعلام الأميركية: ( لكي نكون قابلين للتصديق يجب أن نتمتع بالمصداقية، ولكي نتمتع بالمصداقية يجب أن نقول الحقيقة ) ؟ فهل قالت «هيوز» الحقيقة كي تكون قابلة للتصديق، وهل استمعت للحقيقة من كل الذين قابلتهم في جولتها كي تكتمل الصورة عندها؟
ربما نختلف حول النتائج التي يمكن أن تكون قد حققتها جولة المسؤولة الأميركية في المنطقة، ولكن دعونا نتفق على أن نبقي الأبواب مفتوحة أمام الدبلوماسية الشعبية علها تحقق لنا شيئا بعد أن فشلت مجالات الدبلوماسية الأخرى، خاصة وأن مسؤولة الدبلوماسية الشعبية هذه المرة ( أكبر النساء نفوذا في البيت الأبيض ) كما تقول عنها صحيفة « دالاس مورننغ ».
دعونا نتحدث مع «هيوز» طالما أن ذلك لا يعني أننا نتفق مع كل شيء تقوله مادامت مستعدة للاستماع إلى كل ما نؤمن به، عسى أن نصل معها يوما إلى نقطة اتفاق لا تعيدنا إلى الوراء، أو تتمكن «هيوز» من إصلاح ما أفسد الرؤساء.
aliobaid2000@hotmail.com
كاتب إماراتي