خرافة مدنية الغرب هل تساءلت يوماً، كيف أن مدنية الغرب لا تنفصل عضوياً عن بربرية ساسته، وهمجية جيوشه ومبشريه وموظفيه في المستعمرات، وعنصريتهم المتأصلة، عندما كتب صامويل هانتغتون عن صدام المدنيات (الحضارات) عدد عناصر تفوق مدنية الغرب، العنصر الوحيد الدينامي الذي أهمل ذكره، هو «العدوانية المفرطة بشكل استثنائي» التي يمكن أن تفسر هيمنة الغرب على العالم في نهاية المطاف.
وهذا اعتراف نادر من مايكل هيوارد أحد المؤرخين الغربيين الثقاة. ولكن السؤال مازال قائماً: كيف يتسنى للمدنية والحداثة أن تمتزج بالهمجية والتخلف؟
المسألة هي أن مؤرخي الغرب وعلماء الآثار والحفائر يقسمون تاريخ البشرية في العشرة آلاف سنة الأخيرة إلى ثلاث مراحل أصبحت من المسلمات التي لا تقبل النقاش.
فقد تناوبت على البشرية مرحلة التاريخ القديم ثم التاريخ الوسيط، وأخيراً التاريخ الحديث. (ثم أضيفت مرحلة رابعة هي مرحلة ما قبل التاريخ). أنا أتذكر أننا طوال الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، على الرغم من كل المحاولات لشرح عدم كفاية وعدم دقة هذا التصنيف، لم ينجح أحد في تعديله أو تغييره.
وقد كان واضحاً أن هذا التصنيف يهدف إلى توظيف مقولة أن الحداثة والمدنية هما حكر على المجتمعات الغربية دون المجتمعات الأخرى، هذه المقولة وصلت إلى هانتغتون بصيغة الغرب والبقية، تصنيف من هذا النوع لا يصلح كأداة للتحليل مستمدة من الأدلة المادية والمخلفات الأثرية.
يقابل تصنيف المؤرخين تصنيف علماء الآثار والحفائر الذي يستند إلى تقسيم مراحل التاريخ حسب المكتشفات الأثرية وتسلسلها الزمني باعتبارها أدلة مادية على اختلاف المراحل ودرجة «التقدم» الذي أحرزته البشرية.
فهناك مرحلة الهمجية، وثم مرحلة البربرية، وأخيراً مرحلة المدنية. في مرحلة الهمجية اعتمدت الجماعات الصغيرة المتنقلة «الرحل» على جمع الثمار والرعي، ولم تكن الزراعة قد «اكتشفت» ولا المدن قد ظهرت.
أما في مرحلة البربرية (ومعنى الاسم عند الغربيين جاء من الأصوات التي تصدرها الأقوام التي لا تتكلم اليونانية: بر.بر) فقد استطاعت الجماعات التي استقرت في تجمعات واعتمدت على الزراعة، ودجنت الحيوانات، واتقنت الحرف.
وأبدعت في الفنون، ولكن بقيت بلا مدن (بلا حضر، ومنها مصطلحي المدنية والحضارة) ولا كتابة، ولا أدب. سنة 1877 قدم لويس مورغان (وهو العالم الذي كان له التأثير البالغ على ماركس وانجلز تصنيفه السداسي لمراحل التاريخ حسب الاكتشافات الأثرية على النحو التالي:
1ـ الهمجية الدنيا (ظهور الإنسان الحديث واكتشاف النار).
2ـ الهمجية الوسطى (اكتشاف القوس والنشاب).
3ـ الهمجية العليا (اكتشاف الخزف).
4ـ البربرية السفلى (تدجين الحيوانات).
5ـ البربرية العليا (ابتكار الأبجدية).
أما المرحلة السادسة فهي مرحلة المدنية والتي يميزها عن المراحل السابقة اكتشاف الكتابة وظهور المدن مثل سومر وبابل ومن ثم حضارات وادي النيل ووادي السند ووادي النهر الأصفر في الصين.
في كل هذه التصنيفات يقفز الغربيون على مراحل التاريخ إلى الوصول إلى أن مرحلة المدنية انتقلت من اليونان والرومان إلى غرب أوروبا وشمالها.
بينما انزلقت بقية أقوام البشرية إلى أشكال مختلفة من البربرية والهمجية، استدعت أن تقوم أوروبا صاحبة المدنية بعبء تمدين العالم وتحديثه (أي عبء الرجل الأبيض). وهذا أحد أساليب تبرير الاستعمار الغربي في مرحلة تسييد أوروبا العالم. وهنا يكمن عنصر الخرافة ـ عنصر الايديولوجيا في مدينة الغرب وليس في حقيقة تفوق الغرب.
كل البشر يملكون ثقافة
لقد وضع غلين دانيال في كتابه: المدنيات الأولى، المسألة في شكل أطروحة، كل البشر يملكون ثقافة (أو حضارة)، ولكن البشر ليسوا بالضرورة متحضرين.
وكل البشر جزء من المدنية، ولكن كل البشر ليسوا بالضرورة متمدنين. هذا هو في رأيي صلب الموضوع. من دون هذه الأطروحة لا يمكن تفسير سلوك الغربيين وسر تفوقهم، منذ ظهورهم على مسرح التاريخ المتمدن.
واستعراض سريع لهذا الإرث الحضاري الذي تمتزج فيه المدنية بالبربرية والهمجية، لابد أن يبدأ:
ـ بالحروب الصليبية ضد العرب (مسلمين ومسيحيين ويهود) وأقوام المشرق العربي الأخرى.
ـ والحملة الصليبية على العرب في الأندلس، ومن ثم الحرب الصليبية على أقوام سكان الأميركيتين الأصليين.
ـ والحملات الهمجية على أقوام آسيا وأفريقيا التي زرعت الموت والدمار في أصقاع الأرض.
ـ والحروب العالمية الثلاث باللغة البربرية، طوال القرن العشرين، والتي تمخضت عن هيمنة الامبراطورية في زمن العولمة، بعد انحسار الاستعمار.
نحن الآن في الجزء «الأسفل» من مرحلة «القرن الأميركي» ـ الربع الأول من القرن الحالي الحادي والعشرين. وتتجرد مدنية الغرب الآن، من كل الستر والأغطية الأيديولوجية، في امتزاجها بالهمجية والبربرية. هناك دورة تاريخية ما زالت غامضة المعالم تتراوح فيها أقوام البشرية بين المدنية والهمجية والبربرية.
فقد لاحظ سيغموند فرويد مثلاً في سنة 1938، عندما كان يكتب كتابه عن موسى والتوحيد: «إن التقدم يأتي بشكل متزايد ممزوجاً بالبربرية. بين بربرية الفاشية والنازية وبربرية الامبراطورية في الغرب الآن عامل مشترك سوف نسعى للكشف عنه في مقال الغد.
مفكر وعالم اجتماع كويتي