في رده على التهرب ومحاولات التملص الإسرائيلي إزاء تحديد جدول أعمال القمة التي كان مزمعاً عقدها مع شارون، قال الرئيس الفلسطيني انه لا يريد «قمة علاقات عامة». فإما ان يكون اللقاء على قاعدة لائحة من البنود المتفق حولها لتكون مادة المباحثات وإلا فلا حاجة لقمة. رد سليم وموقف صحيح. فالمفاوض الإسرائيلي تعمد، خلال الجلسات التحضيرية المشتركة مع الجانب الفلسطيني.

وضع كل العصي في الدواليب واستحضار كل العراقيل، لقطع الطريق على تفاهم، ولو بحد أدنى، حول برنامج الاجتماع وأولوياته. رفض إدراج المطالب الفلسطينية البديهية في الجدول، لا موضوع الأسرى ولا مطلب معبر رفح، وحتى تزويد الشرطة الفلسطينية بالذخيرة اللازمة اعترض عليه، فهو من الأساس لا يريد عقد مثل هذا اللقاء.

أوحى في البداية بأنه موافق. وبدا واضحاً أنه رمى من وراء ذلك إلى ترك الانطباع بأن حكومته راغبة في العودة إلى العملية السياسية، وذلك لتحاشي الضغوط والمطالبات بضرورة الرجوع إلى الطاولة والبدء في تطبيق «خارطة الطريق». حتى الصحف الإسرائيلية أشارت إلى ذلك.

أراد نسف القمة لأنه لا يريد التجاوب مع أي مطلب، ولو بسيط كي لا يزود الرئيس الفلسطيني بأي شيء، عشية زيارته إلى واشنطن للقاء الرئيس بوش، يمكن ان يستند إليه لمفاتحة البيت الأبيض بمطالب أخرى والدخول في صلب خارطة الطريق، من دون قمة. يقصد الرئيس محمود عباس واشنطن فارغ اليدين وجعبته مليئة بالطلبات، من الأسرى حتى الخارطة مروراً بالجدار.

وقياساً على السوابق تكون الحصيلة ان الرئيس الفلسطيني يعود من زيارته وقد سمع الكثير من الوعود التي يصار إلى ترجمة أبسطها وأكثرها بعداً عن الجوهر، أي عن الخارطة، مثل موضوع الأسرى وربما إيجاد صيغة لفتح معبر رفح، وهو ما كان مفترضاً، على الأقل في الحسابات الفلسطينية، أن يصار إلى معالجته في القمة العتيدة التي نسفها شارون.

وبعد ذلك تعود حليمة إلى عادتها القديمة، مراوغة يواكبها تأزيم وتصعيد ـ وهو الآن مستمر بصورة اعتقالات وتصفيات، واستفزاز يهدف الى التفجير، بحيث يطفح الكيل ويأتي الرد، ليعود معه شارون الى شرطه القديم المتجدد: دفع الفلسطينيين إلى التقاتل من خلال إصراره على شرط تجريد الفصائل من السلاح وتفكيك بنيتها التحتية.

وهي اسطوانة باتت محفوظة عن ظهر قلب: ترك الجانب الأمني في حالة التهاب دائم، متقلب الدرجات حسب الظروف، بحيث لا يتسع المجال، أو بالاحرى لا يسمح بفسح المجال، لأي استئناف هادف جاد للعملية السياسية.

الجانب الفلسطيني حاول وسعى، تعامل مع القمة، من خلال جدول أعماله بالطريقة المناسبة، وربما حقق في ذلك مكسبين: أحدهما دبلوماسي بوضعه الكرة في الملعب الإسرائيلي والآخر سياسي بإصراره على ألا تكون القمة حفلة «علاقات عامة».