ليس من الصعب حتى لدى القراءة الاولى لوثيقة الشرف التي اعلنتها الاجنحة العسكرية لفصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، ان يجد المرء نقاطا هامة وايجابية في الوثيقة المذكورة - خصوصا من حيث توقيتها الذي جاء في اعقاب احداث مؤسفة، امتدت على اتساع الاراضي الفلسطينية لتشمل مدنا في الضفة والقطاع والنداءات العديدة التي اصدرتها مختلف الهيئات والاطر الشعبية الفلسطينية، لوضع حد للفلتان والتسيب الامنيين وانهاء الممارسات المحظورة التي تستبيح الحريات والدماء الفلسطينية بايدي فصائل وتنظيمات فلسطينية، ومنها حوادث الاختطاف والاشتباكات المسلحة والاغتيالات السياسية.
ولعل ابرز ما في الوثيقة هي اللهجة المتعقلة والهادئة التي صيغت بها وما اتسمت به من وعي وطني واحساس صادق بالانتماء المشترك والسعي الى وحدة الصف والكلمة في مواجهة التحديات الخطيرة التي تواجه الشعب الفلسطيني ومن المؤكد ان توقيع ثمانية فصائل فلسطينية مسلحة على الوثيقة يشكل دليلا على توجه الموقعين نحو اشراك اكبر عدد ممكن من ابناء الشعب الفلسطيني في مسعى خير، للالتقاء حول مبادئ اساسية مشتركة، وتفاهمات يطبقها الجميع: لانها مبنية على اساس المصلحة الوطنية العليا، وبناء المستقبل الواحد لهذا الشعب على اختلاف توجهاته السياسية والفصائلية.
والقضية المحورية، التي تدور حولها وثيقة الشرف، هي مصير سلاح الفصائل الفلسطينية وهي قضية تحاول اسرائيل ومن يقف وراءها، اثارتها بمناسبة وحتى دون مناسبة، وان كان الهدف من وراء اثارتها كما لا يخفى هو تحريض السلطة الفلسطينية على الفصائل وبالعكس.
تارة تحت ذريعة تطبيق بنود خطة خريطة الطريق، وتارة اخرى باعتبار القيام «بتفكيك هذه الفصائل ونزع سلاحها» وفقا للتوصيف الاسرائيلي شرطا مسبقا لاحياء عملية السلام، او مشاركة هذه الفصائل في العملية السياسية الفلسطينية وتحديدا الانتخابات التشريعية المقبلة.
والطروحات التي قدمتها السلطة الفلسطينية لا تتضمن بأي حال من الاحوال نزع سلاح الفصائل الفلسطينية، والدخول في اقتتال او حرب اهلية، لتحقيق المطالب الاسرائيلية مجانا، وانما تطالب السلطة بعدم اظهار هذه الاسلحة علنا لغايات الاستعراض أو التخويف او تعزيز النفوذ وفي الوقت الذي تدعو فيه وثيقة الشرف الى الحفاظ على سلاح الفصائل فإن من الممكن التوصل من خلال الحوار والتفاهم الى صيغة لوجستية يتم من خلالها احتواء الاجنحة العسكرية المختلفة واسلحتها في اطار قوى الامن الفلسطينية، مع احتفاظها باستقلاليتها الايديولوجية في اطار انتمائها الاوسع لفلسطين، ارضا وشعبا ومستقبلا.
وقد يكون هذا المشروع الوطني طموحا الى حد كبير، الا ان طرحه على طاولة النقاش قد يعطيه قدرا من الواقعية لانه الخيار الوحيد الممكن في ظل الضغوط والتحديات الداخلية والخارجية التي تحيط بالشعب الفلسطيني وتهدد السلطة الفلسطينية والفصائل المسلحة سواء بسواء.
إن وثيقة الشرف المعلنة امس الاول في قطاع غزة هي أول قطرة من الغيث الذي يتوقع الفلسطينيون انهماره مع ازدياد وعي السلطة والفصائل الموالية والمعارضة وادراكها لضرورة التصرف بعقلانية وحكمة وحسن تقدير للمعطيات الوطنية والمواقف الاقليمية والدولية، والخيارات المحدودة المتوفرة للخروج من الازمات الراهنة.