تظل العواصم الغربية تردد أن هدفها في العراق هو ان يعيش العراقيون ديمقراطية فعلية يشارك فيها الجميع على اختلاف مذاهبهم وأعراقهم وهذا ما تردد في واشنطن ولندن على وجه الخصوص.

ويذهب بعض القادة الى أبعد من ذلك في التوصيف للحالة العراقية فيقولون إن (بعض الافراد) لا يريدون النجاح لعملية الانتقال الى الديمقراطية.

هذا (التبعيض) المخل بالحقيقة هو لب المشكلة، فالدستور العراقي المقبل لا يلبي حاجة (جميع) العراقيين كما يتردد وإلا لما اجتمع هذا الحشد الكبير من المعارضين للدستور للمطالبة برفضه خلال الاستفتاء المقبل.

وهنا نود الاشارة بوضوح إلى أن الرافضين للدستور بصيغته الحالية هم من كافة طوائف العراق (سنة ـ شيعة ـ تركمان.. الخ) فبالأمس اعلن رئيس الجبهة التركمانية العراقية سعد الدين أركيج رفضه لمسودة الدستور باعتبارها استمرارا لمسيرة الظلم التي تعرض لها تركمان العراق خلال حكم صدام حسين وبول بريمر الحاكم الاميركي السابق للعراق وانتهاء بالحكومة المؤقتة والانتقالية.

إذا ليس العرب وحدهم هم الذين يرفضون هذا الخلل الواضح في ترتيب البيت العراقي المستقبلي، بل هناك كثيرون من غير العرب لا يقبلون ان ترغم طوائفهم على القبول بهذا التهميش المتعمد للعرب والشيعة منهم، وغير العرب على السواء. فكيف يمكن التسليم بالمزاعم القائلة ان الرافضين لمسيرة التسوية في العراق هم (بعض افراد)؟

إن مطلب وحدة العراق وسلامة أراضيه وصيانة ثرواته وكرامة أبنائه لا يمكن ان تصنف كأمور هامشية، بل هي لب التسوية السلمية لايجاد عراق موحد متماسك في مكوناته الطبيعية والبشرية، حيث يؤكد المعارضون للدستور انه لا يضمن هذه المطالب، إنما هو صياغة فضفاضة تخدم برنامج المصالح الاجنبية وليس المواطن العراقي، والاولى بالمهيمنين على مجريات الامور في العراق أن يبادروا إلى اتخاذ خطوات عملية لطمأنة الراغبين في ميلاد عراق مستقر يجسد احدث ديمقراطية في العالم حسب وصف جلال طالباني خلال المؤتمر الصحفي مع رئيس الوزراء البريطاني توني بلير في لندن يوم الخميس الماضي.

ولابد أن يلفنا العجب من ذلك الهجوم المتعمد على كل الاطراف العربية التي تسعى للوساطة من اجل المصالحة بين مختلف شرائح العراقيين ومنها وفد جامعة الدول العربية الذي قوبل بتصريحات مسؤولين عراقيين (لسنا بحاجة إلى وساطة للمصالحة) وقبل ذلك كان هناك مؤتمر في جدة لبحث مساعدة العراق على الاستقرار فإذا باليوم نفسه يشهد هجوما عنيفا على العرب من مسؤول آخر وصفهم بـ (ركاب الابل الذين يعلمون غيرهم الديمقراطية).

كل هذه الشواهد تقول أن ثمة مخططا لاخراج العراق من هويته العربية، ولا نعلم ماذا يضير العراق ان يظل عربيا بل ماذا كان يضيره في الماضي ان ينبض بين جنبيه قلب عربي وهو من اهم مؤسسي جامعة الدول العربية، ولماذا الالحاح على تصدير مقولة تؤكد تعارض العروبة مع الديمقراطية في عراق المستقبل؟

إن الملف العراقي بحاجة إلى تحكيم العقل وليس الدفع به باتجاه الهاوية.