لا نعرف على وجه الدقة طبيعة الدور الذي تعتزم الدول العربية أن تقوم به في العراق. لكننا نعرف تماماً أن السجل التاريخي العربي ذا الصلة بالعراق لا يشجع على الاعتقاد بأن الدور العربي المرتقب سيكون مستقلا عن الأجندة الأميركية. في 1980، ولما ينقض على تسلم الرئيس صدام حسين السلطة سوى شهور، شن العراق حرباً شاملة غير مبررة على الإطلاق على ايران لم تتوقف إلا بعد مرور ثماني سنوات.

ونعلم الآن علم اليقين ما كان يعتبر مجرد تكهنات عند أوائل عقد الثمانينات ألا وهو أن الحرب العراقية العدوانية على ايران شنت في الحقيقة كاستجابة لرغبة أميركية. كان هدف الولايات المتحدة آنذاك هو تحجيم الثورة الإسلامية التي استولت على السلطة في طهران في مطلع عام 1979.

ومما شجع صدام على التجاوب مع الهدف الأميركي أن الإدارة الأميركية وعدته بتدخل عسكري أميركي اذا لم تستطع القوات العراقية الحاق هزيمة حاسمة بإيران في غضون بضعة أسابيع.ورغم أن إدارة ريجان كانت تقدم مساعدات لوجستية مهمة لقوات صدام طوال الحرب إلا أن الولايات المتحدة أحجمت عن التدخل العسكري المباشر، لكن بايعاز من واشنطن سارعت بعض الدول العربية إلى دعم عراق صدام.

واتخذ هذا الدعم شكل امدادات عسكرية ومساعدات مالية ومساعدات استخباراتية.بعد انتهاء الحرب في عام 1988 أصبحت مشكلة واشنطن التالية هي صدام حسين نفسه وعودة العراق إلى معادلة الصراع العربي الإسرائيلي. ووجدت إدارة بوش الأب الذريعة المطلوبة عندما غزت القوات العراقية الأراضي الكويتية. هنا تحول دور الدول العربية من دعم صدام وهو يقاتل ايران وتضفي عليه بطولة عربية «ضد الفرس» إلى مجابهة الزعيم العراقي ودولته بالعدوان الصريح.

وهكذا أشعلت الولايات المتحدة الحرب على العراق بمشاركة عربية شاملة مع تعهد عربي بسداد كل الفواتير.واذا اعتبرنا ان الغزو الأميركي للعراق الذي جرى في عام 2003 هو في الحقيقة امتداد لحرب الخليج الثانية ضد العراق فإن بعض الدول العربية لم تدعم هذا الغزو الأخير عسكرياً وسياسياً فحسب بل دعمت وتدعم أيضاً الوضع الاحتلالي الأميركي الذي أفرزه الغزو.. فصار العراق بذلك مستعمرة أميركية.

هذا هو سجل بعض الدول العربية في العراق منذ عام 1980 وحتى اليوم: أي ربع قرن كامل من التعاون العربي مع الاستراتيجية الأميركية دون المطالبة بمقابل.ما تريده الإدارة الأميركية من الجامعة العربية هذه المرة هو أن تسعى لاقناع منظمات السنَّة العرب في العراق بالتصويت لصالح مسودة الدستور العراقي في 15 أكتوبر.لكن ما يريد أن يعرفه العراقيون بغض النظر عن اختلافات الرؤى بينهم هو: أين يقف العرب ـ في خندق الاحتلال أم الخندق المقاوم للاحتلال؟