يبدو أن الدماء الكثيرة التي جرت في شرايين الحياة السياسية في مصر أخيرا، لفتت الأنظار إليها، وجعلت الباحثين والمتخصصين يجتهدون في محاولة توصيف وتحليل ابعاد اللحظة الراهنة والمتغيرات التي تشهدها، وفهم المعاني التي ترمي إليها، والظروف المحيطة بها، وهو أمر لم يكن موجودا في السابق، حيث كانت الحياة السياسية عبارة عن قوالب جامدة، لا تتغير حتى بتغير فصول العالم السياسية .
من أبرز من لفته الضوء المصري الصاعد، وحاول وضعه تحت مجهر البحث والدراسة والتحليل، مجموعة الأزمات الدولية ومقرها بروكسل، التي أصدرت تقريرا أخيراً بعنوان «إصلاح مصر: البحث عن استراتيجية»، رصدت فيه واقع الحياة السياسية الجديد والتيارات الصاعدة واللاعبة على السطح السياسي، بشكل لمس كبد الحقيقة في مواضع وجانبها في مواضع أخرى.
ركز التقرير على ثلاثة محاور رئيسية، الأول واقع الحركة المصرية من التغيير المعروفة باسم « كفاية» و قال إن« الحركة أحدثت ما يشبه الصدمة الكهربائية في ـالواقع السياسي المصري ـ اذ نظمت تظاهرات غير مسبوقة في الشوارع ووجهت انتقادات مباشرة للنظام،لكنها فشلت في تعبئة الجماهير ومازالت أسيرة برنامج سلبي ولم تستطع التحول من حركة احتجاجية إلى حركة مطلبية» مشيرا إلى انه «لا يكفي ان تقول كفاية».
هذا التفسير للحركة جانبه الصواب من وجهة نظرنا، لان «كفاية» ليست أسيرة لبرنامج سلبي ولم تفشل في ان تصبح حركة مطلبية، بل هي منذ اليوم الاول لنزولها إلى الشارع وضعت برنامجها امام الناس، واختزل اسمها فقط كل ما يمكن ان يصبو اليه أي برنامج سياسي ومطلبي متكامل،
فعندما تقول «كفاية للفساد والركود السياسي وتقييد الحريات والقيود على الممارسة السياسية ومصادرة الحقيقة وتجاهل رأي الجماهير» وغيرها من القضايا التي كان الاقتراب منها خطا احمر، تصبح بلاشك ممثلة لنبض وتطلعات الشارع المصري في حدوث تغيير حقيقي يخطو بالمجتمع إلى الأمام، ومن ثم فان كلمة كفاية تصبح في هذه الحالة كافية وزيادة.
المحور الثاني تناول وضع أحزاب المعارضة، وقال التقرير «إنها ليست أحزاباً بالمعنى المتعارف عليه في الغرب، انها صنيعة حكومية ومعظمها ترأسها بيروقراطيون كبار في السن لا يتغيرون ويقمعون أي آراء معارضة لهم، كما انها لم تقترح شيئا وبالتالي فليست لديها قدرة على التعبئة».
لا نختلف مع هذا التقييم كثيرا، لكن التعميم يحمل قدرا كبيرا من الخطأ، اذ انه لا يمكن ان نساوي بين أحزاب على الساحة منذ سنوات طويلة مضت وفشلت في خلق شعبية لها مثل الوفد والناصري والتجمع، وبين أحزاب لم يزد عمرها عن عشرة أشهر مثل حزب الغد، الذي حقق في الانتخابات الرئاسية الأخيرة نتائج، تفوق بالتأكيد عمره الصغير وتجعله مؤهلا لان يقوم بالدور المنتظر منه كحزب معارض .
كما اننا لا يجب ايضا ان ننسى ان هناك أحزابا لها شعبية وحضور على الساحة، لكنها سقطت في بئر التجميد الذي تم للأسف وفقا للقانون مثل حزب العمل ذي التوجه الإسلامى . اما بالنسبة للحزب الحاكم وهو المحور الثالث الذي تناوله التقرير، فذكر ان «تحركه كان ذكيا ومبتكرا وهو تحد للمعارضة التي يتعين عليها توحيد صفوفها» مشير إلى انه تحدث عن معظم المطالب الديمقراطية للمعارضة، لكنه أجرى إصلاحات شكلية.
هذا صحيح، واذا نظرنا لبرامج المرشحين في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، نجد انها لم تختلف كثيرا عن برنامج الرئيس مبارك، وهو أمر لم يجعل المواطن يلمس تغييرا يجذبه إلى برامج المعارضة ما اثر على نتائجها في تلك الانتخابات.
وعلى اية حال، فان هذا الاهتمام الغربي بما يجري على الساحة السياسية المصرية، يثبت بلاشك ان هناك متغيرات حقيقية تحتاج إلى اجتهاد واصرارمن جانب كل القوى الوطنية لتتحول إلى واقع جديد يدفع الحياة السياسية إلى الامام ويخرجها من دائرة الركود إلى الابد .