يستعد عمرو موسى ـ الأمين العام للجامعة ـ لأول زيارة إلى بغداد منذ سقوط صدام، تنفيذاً لقرار اللجنة الوزارية الخاصة بالعراق في جدة (2/10)، وسيجري لقاءات مع مختلف ألوان الطيف السياسي العراقي، تمهيداً لتحضير «مؤتمر وفاق وطني» أو «مصالحة وطنية» برعاية الجامعة العربية، وكانت الجامعة قدمت مشروعاً حول وضع إستراتيجية عربية موحدة لدعم العراق.
ويأتي هذا التحرك العربي المفاجئ والذي تأخر كثيراً في سياق حدثين:
الأول: تزايد القلق العربي إزاء تنامي النفوذ الإيراني في الجنوب العراقي والذي اتخذ أشكالاً عدة ـ دخول الأشخاص والأموال والأسلحة والتدخل السياسي ـ الأمر الذي جعل الأمير سعود الفيصل يفجر القضية في نيويورك متهماً السياسة الأميركية في العراق بأنها ستؤدي إلى تقسيمه طائفياً وتسليمه لقمة سائغة لإيران ـ عدوة أميركا ـ وقال في تصريحاته للأميركيين: «لقد خضنا حرباً معاً لإبعاد إيران عن العراق بعد طرد العراق من الكويت والآن تسلم البلاد كلها لإيران من دون مبرر».
ولاقت التصريحات ردود فعل قوية ولكننا لا نستطيع تجاهل الرد المتوازن لمساعد وزيرة الخارجية الأميركية ـ ويلش ـ الذي قال «إنه يتفهم قلق السعودية»، معتبراً «أن الانتقادات لها ما يبررها» لكنه استدرك قائلاً: «لسنا متحالفين أو متواطئين مع الحكومة الإيرانية، ولا نعمل لتسليم العراق إلى الإيرانيين»
وأضاف: «أن خطر الاختراق الإيراني سببه ضعف البنية السياسية العراقية التي تسمح بتغلغل خفي للنفوذ الإيراني» وقال «ان الوضع في العراق، قلق ومتوتر، في ضوء محاولات يائسة من جانب المتمردين لاسترجاع نفوذ السنة العرب، وأن ما أنقذ الوضع من الانحدار نحو حرب أهلية، هو أن الشيعة لم يستجيبوا للاستفزازات»،
ورفض التأويلات بأن صعود الغالبية الشيعية إلى الحكم، سيجعل من العراق امتداداً لإيران لأن الشيعة العراقيين هم عرب وشيعة إيران هم فرس، وقلب الشيعة موجود في «النجف» وليس «قم» وسيقاوم الشيعة العرب هذا الاختراق، ووجه ويلش انتقاداً شديداً للإعلام العربي الذي يمارس الدعاية المضللة لمصلحة الإرهاب، فيسمي قتل العراقيين الأبرياء في الأسواق والمساجد (مقاومة).
الثاني: إن هذا التحرك يأتي قبيل الاستفتاء العام على مسودة الدستور الدائم 15/10، وللإرهابيين تاريخ أسود قبيل المناسبات المهمة إذ تزيد شهيتهم للقتل والتفجير، وقد حصل ذلك في عدة مناسبات مثل تسلم الحكومة المؤقتة، وفي شهر رمضان الماضي، وعند انتخابات يناير، وعند تشكيل الحكومة الانتقالية،
وبعد إقرار مسودة الدستور بل إن هؤلاء يزدادون ضراوة في شهر رمضان لمضاعفة أجر الشهادة والجهاد ـ 112 قتيلاً وجريحاً باستهداف مسجد للشيعة في الحلة في ثاني يوم رمضان، و200 قتيل وجريح في مدينة (بلد) بعد تحالف البعث والقاعدة ـ وقد كانت للجامعة تحفظات على الدستور تم التوافق عليها مع البرلمان فعدل النص من أن «الشعب العربي في العراق جزء من الأمة العربية» إلى أن: «العراق جزء من الأمة العربية والإسلامية وعضو مؤسس وفاعل في الجامعة»،
وقد صرح رئيس وزراء الأردن: عدنان بدران، مؤخراً بأن الدستور متوازن ولا خوف على عروبة العراق. فهل المقصود بهذا التحرك الآن إنجاح العملية السياسية؟على العموم فقد تحرك العرب أخيراً، ولطالما نادينا وغيرنا بضرورة دعم الاستقرار في العراق لأن ذلك مصلحة خليجية وعربية أولاً، ولكن أخشى أن يصل قطار العرب بغداد متأخراً.
وقد عودنا العرب أنهم أساتذة في تضييع الفرص، فقد وقفوا على امتداد (30) سنة يتفرجون على عذاب العراقيين على يد حاكم فاق الجميع طغياناً، كانوا يحجون إليه ويجاملونه ـ رهبة أو رغبة ـ ولم يقدم العرب أية مبادرة بناءة للشعب العراقي عدا دعم نظام صدام في عدوانه الأول على إيران، ثم وقفوا منقسمين في عدوانه الثاني على الكويت، وقال قائلهم: لا تستفزوه فلا تستنكروا الاحتلال ولا تطالبوه بالانسحاب!!
ولولا أميركا التي يتنكر لها ـ الآن ـ طائفة من أهل الخليج، لما عادت الكويت ولما نعم الخليج بالأمان!! ولم يستوعب العرب الدرس ولم يكفروا عن خطاياهم بعد سقوط الرمز، فلم يبادروا بأي دعم للعراق بحجة وجود «المحتل» بل راهنوا على العمليات الإرهابية التي سموها «مقاومة»
اعتبروا إطاحة أبشع دكتاتورية، إضعافاً للعرب وخدمة لإسرائيل ومقدمة لتقسيم العراق ورأوا في نظام صدام، خيراً لجهة التوازنات العسكرية والقومية والطائفية بغض النظر عن جرائمه والمقابر الجماعية والإبادة والاغتصاب والتعذيب كما يقول عبد المنعم سعيد الذي تساءل: لماذا لا يكون إزالة الخراج في الجسم العربي عامل قوة؟
الآن: لنأمل خيراً ولنتساءل: ما الهدف من التدخل العربي؟ ولماذا هذا التوقيت؟ وكيف يساعد العرب العراق على تجاوز محنته؟ إذا كان الهدف وكما هو المعلن «مصالحة وطنية» وحض الجميع على دخول العملية الأساسية ومنع انزلاق العراق إلى أتون الفتنة، وهو الأمر الذي أكده الأمير الفيصل حين سئل (فيما إذا كانت السعودية ستقوم بمساعدة المسلمين السنة في العراق؟
فرد بأننا لن نتعامل مع السنة بل مع كل العراقيين) فهذا تدخل إيجابي مطلوب ومع ذلك فالخشية من تفسيرات ترى في المبادرة، نوعاً من الدعم للأقلية المعاندة والتي راهنت بغباء مدهش بدءاً من مقاطعتها للانتخابات، ثم تمثيلها في لجنة الدستور ـ بضغط أميركي ـ وحين فشلت في فرض أجندتها على الأغلبية وخاب رجاؤها مع الأكراد وحاولت أن تستقوي بالعرب، عبر مؤتمرات في الخارج روجت بأن ملاحقة الإرهابيين في العراق ما هي إلا تصفية متعمدة للعرب السنة!!
ومما يؤسف له أن يصدق الإعلام العربي هذا الطرح المضلل، فتنشر صحيفة سعودية سيارة بالمانشيت العريض تحذر فيه أن المسلمين السنة في العراق يتعرضون لحرب إبادة ـ جمال خاشقجي ـ!! الآن كيف نساعد العراق؟ إننا إذ نثّمن الدور السعودي الذي قاد تحركاً عربياً لدعم العراق ونثق في إخلاص النوايا ونتفهم أسباب القلق من تنامي النفوذ الإيراني في الجنوب فإنه مما يستقيم مع هذا التحرك ويعطيه المصداقية أن تتحرك الدول العربية والخليجية بالذات لاتخاذ إجراءات عملية لكبح جماح دعاة الفتنة والتحريض في الساحة الداخلية،
فلا يجوز ترك الساحة الإعلامية والدينية لمن يمجدون العمل الإرهابي الذي يحصد أرواح العراقيين ويصفونه (جهاداً) ويستنكرونه عندما يكون عندهم، هذه ازدواجية بغيضة يجب أن نقلع عنها، لقد تحولت منابر بيوت الله إلى منابر سياسية لا تفقه في السياسة إلا نظرية المؤامرة كما يقول تركي الدخيل، وتحول بعض مشايخ الدين إلى محللين سياسيين يدعون للإرهابيين بالنصر.
مجلس الأمن منع التحريض وبوش في خطابه الأخير هاجم الإعلام العربي التحريضي ومع ذلك لم تتخذ الدول الخليجية أي إجراء، العراقيون يحاربون الإرهاب نيابة عنا من دم أبنائهم ولا يريدون منا إلا شيئاً واحداً فقط هو الكف عن التحريض عليهم ومنع أولادنا من التسلل إليهم.
كاتب قطري