كان من أحب المساقات التي درسناها كطلبة إعلام في أميركا مساق بعنوان «أخلاقيات الإعلام». لم تكن متعة هذا المساق فقط في المادة الغنية التي يتم بحثها والنقاش حولها وإنما في الطريقة التي يتم فيها النقاش. كان شرط المساق ألا يتجاوز عدد الطلبة فيه عشرة طلاب حتى يتسنى للجميع المشاركة في النقاشات.

في ذاك المساق يتربى عقل طالب الإعلام على منهجية تمكنه من القدرة على اتخاذ القرار مستقبلا كإعلامي وكصحافي بناءً على أخلاقيات المهنة المتعارف عليها وبناءً على أخلاقياته هو كإنسان والتي قد يختلف فيها مع الآخرين. من هنا كان يتفجر خلاف وتعارك في الآراء بين الطلبة القادمين من مجتمعات مختلفة وخلفيات متنوعة.

عندما طرح موضوع «الكذب» للنقاش وهو سلوك يتعارض مع أهم أخلاقيات الإعلام، لم يخطر ببال أحد منا أن يتردد في الجزم بأن الكذب مرفوض قلبا وقالبا في مهنة الإعلام إلا عندما طرحت علينا الأسئلة التالية: هل ينبغي على الطبيب أن يكذب على المريض الذي يحتضر من اجل أن يهدئ روعه ويبعد عنه الخوف والرعب أم أن يقول له حقيقة مرضه بغض النظر عما يجلبه له قول الحقيقة من اضطراب أو خوف؟

وهل بإمكان الأستاذ الأكاديمي أن يبالغ قليلا في رسائل التوصية التي يكتبها في حق طلبته لإعطائهم فرصة أفضل لإيجاد الوظيفة مستقبلا؟ وهل من حق الأبوين اللذين قاما بتبني طفلا في يوم ما أن يكتما عنه هذه الحقيقة عندما يكبر مراعاة لمشاعره أم أن الأفضل قول الحقيقة له؟ ثم جاءنا السؤال المباشر: هل يحق للصحافي أن يكذب على المصادر التي يستقي منها معلوماته من أجل الكشف عن فساد ما أو خطأ يلحق ضررا بالآخرين؟

لم تكن هناك إجابة محددة مطلوبة ولم يكن الهدف هو معرفة من الأفضل في الإجابة بل كانت النقطة المراد استيعابها منا كصحافيين وإعلاميين هو أن هناك مواقف تتطلب قرارات صعبة، مواقف قد تفرض علينا ممارسة ازدواجية لم نعتدها ومعايير لم نتوقعها. إذا كان الكذب خياراً غير أخلاقي في نظر البعض، فانه بالنسبة إلى الصحافي قرار تحكمه معايير، لماذا الكذب ومتى وما هي ضرورته وكيف يمارس وتحت أي ظروف وفي أي زمن وما هي نتائجه،

كلها أمور يجب أن يعيها الصحافي وهو يتخذ قراره. هذا نموذج واحد من الأخلاقيات التي تحكم عمل الإعلام ناهيك عن أخلاقيات أخرى لا تنتهي كالحقيقة والعدالة والفضيلة والخير والمصداقية والحرية. أخلاقيات الإعلام كما استوعبناها هي الاختيارات التي تواجهنا والطرق التي نتصرف بها وحيالها تجاه المواقف والتي تبنى أساسا على معرفتنا وحريتنا ونقدنا نحن كصحافيين.

ماذا يفعل الصحافي إذا ما وقعت بين يديه حادثة لامرأة تعرضت لاعتداء من قبل شاب طائش وأمامه اسم المرأة وتفاصيل الحادث بكل دقة، هل ينشر الحادث أم يتحفظ عليه؟ وان نشره هل يرفق معه اسم المرأة أم ينشره من دون اسم؟ يومها وقع خلاف حاد بين من اختار نشر الاسم بالكامل، بل ذهب إلى الرغبة بإجراء حوار مع أهل الضحية لتسليط الضوء على حالة الأسرة النفسية والضرر الذي تعرضت له المرأة وبين من اختار نشر الحادثة دون اسم،

معلقا أن الاسم لا يضيف إلى المتلقي شيئا وكان هناك فريق ثالث رأى أن عدم النشر هو القرار الأسلم لحماية المرأة. في أحد المواضيع المتعلقة بحق الصحافي في حماية مصادره ، ماذا يفعل الصحافي إذا ما نشر موضوعا وصل به إلى القضاء وتم الضغط عليه من قبل مدعي التحقيق بأن يكشف عن مصدر معلوماته؟ هل يلتزم الصمت أم ينتهك حق المصدر ويكشف هويته؟

وهذا يذكرنا اليوم بموقف الصحافية الأميركية جوديث ميلر التي آثرت السجن 85 يوماً على الكشف عن هوية مصادرها أمام مدعي التحقيق في تسريب معلومات تتعلق بكشف هوية عميلة لوكالة الاستخبارات الأميركية. الاهتمام بأخلاقيات الإعلام تصاعد بشكل ملفت للنظر في التسعينات تحديدا،

وصار يحتل أهمية كبرى في الجامعات والمناقشات العلمية وذلك لعدة اسباب منها تطور تكنولوجيا الاتصال وثورة المعلومات التي خلقت أشكالا جديدة ومصادر متعددة لإنتاج الأخبار كما مكنت مالكي شركات المعلومات وتوزيعها من التحكم في الجماهير والسيطرة عليها منتجة مشكلات أخلاقية كثيرة خارج السيطرة.

كما أدت أسباب أخرى إلى زيادة تسليط الضوء على أخلاقيات الإعلام في التسعينات ومنها تراجع مصداقية وسائل الإعلام وتقلص احترام الجمهور لها، وتراجع نسبة القراء ما شكل خطرا على مستقبل ومصالح المؤسسات الإعلامية. هذا إضافة إلى لهاث وسائل الإعلام وراء الربح المادي والمردود الإعلاني الأمر الذي اثر على نوعية المضمون إلى درجة شعر فيها متلقي الرسالة الإعلامية بأنه يتم بيعه بالكامل للمعلن.

في الوقت الراهن زاد الضغط على وسائل الإعلام وأصبح التحدي الرئيسي لها هو إما الاستمرار في الأسواق أو الانسحاب منها بعدما صارت مطالبة بتسجيل أرباح وبالدفاع عن وجودها واكتفائها المادي. هذا التحدي مكن البعض من استغلال وسائل الإعلام إلى أقصى مدى للترويج لسياسة الاستهلاك . أما الصحف المقروءة تحديدا فقد واجهها تحدٍّ إضافي متمثلا في الصحف الالكترونية التي أخذت تسحب البساط شيئا فشيئا من تحتها مقدمة للقارئ الخبر السريع والمعلومة الخاطفة التي لا يحدها مكان ولازمان.

ويقدم المعنيون بالصحف المقروءة ومستقبلها نصائح للقائمين على هذه الصحف بأن يحدثوا نوعا من المعادلة المتوازنة التي تقدم صحافة متميزة وفي نفس الوقت تحقق أهدافا ربحية عن طريق الالتزام التام بأن يكون الحكم على المادة الصحافية وتقييمها مردة أقسام التحرير والصحافيين وبأن يخضع هؤلاء لمعايير المهنة الصحافية فقط .

المادة الصحافية يجب أن تفصل تماما عن المادة الإعلانية وأن لا تكون جزءاً منها وأن لا تؤثر عليها. أن تهتم الصحف بأخلاقيات المهنة وتلتزم بدورها الإعلامي ووظائفها الديمقراطية. كما ينبغي عليها مخاطبة القارئ كقارئ وليس كمستهلك وذلك عن طريق طرح القضايا المهمة التي تقدم من خلالها المعلومة والمعرفة والرأي. تطوير المعايير المهنية لدى العاملين في الصحف وتنمية الإحساس لديهم بالأخلاقيات الصحافية ربما يكون هو الضمانة والقاعدة للارتقاء والتطوير في المضمون والشكل.. وأيضا تحقيق الربح.

Heyamm@albayan.ae

مديرة إدارة التطوير والمتابعة ـ «البيان»