يحتفل اليمن بذكرى ثورته الثالثة والأربعين، والثورة اليمنية سبتمبر وأكتوبر اصطلاح جديد يعود شيوع استخدامه لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، وتحديداً للفقيد والمناضل الكبير عمر عبدالله الجاوي. ويقصد بهذا المصطلح إن صحت التسمية المركبة: سبتمبر وأكتوبر وللتركيب هنا دلالة وحدوية وعميقة وواقعية.
فالتلازم الموضوعي والذاتي بين الثورتين سبتمبر 1962 في الشمال «المتوكلية اليمنية» و14 أكتوبر في الجنوب المحميات البريطانية قائم منذ نشأة الاتجاهات الحديثة «القومية واليسارية صحيح أن المتغلبين بالحرب قد استخدموه بمعنى الإقصاء والإلغاء والأحادية في مواجهة الاشتراكي والجنوب وقوى الديمقراطية والتحديث.
ولكن سوء الاستخدام والتوظيف الطائفي والجهوي لا يلغي الحقيقة التاريخية والبعد الوطني لتلازم الثورتين الذي أدى إلى قيام دولة الوحدة في ال22 من مايو 1990م». لقد فشلت كل محاولات «التوحد بالقوة»، وكانت الوحدة معطى من معطيات الحوار الديمقراطي، والاعتراف بالتعدد السياسي والحزبي والفكري الذي كفله الدستور ودولة الوحدة.
في كل الاحتفالات بالثورة اليمنية يجري اهتمام غير عادي بالمقارنة بين الماضي الأمامي والعهد الثوري القديم، والفاجع رغم مضي أكثر من أربعة عقود فان مسؤولينا وأجهزة دعايتهم يكرسون الخطاب للمقارنة الملتبسة والضارة وكان الماضي والماضي وحده هو شاهد التقدم والرخاء والازدهار.
إن هذه المقارنة البائسة تخفي نزوعا محمودا لتزكية الذات واستمرار الوقوف على أعتاب الإمامة البائدة نستجدي من ظلام عهودها أن تشهد بأن اليمن قد أنجز كل طموح أبنائه. لا احد يجحد أن الحكم المتعاقب قد حقق العديد من الانجازات على صعيد البنية التحتية،
وفي مجالات مختلفة في التربية والتعليم والصحة والتطبيب، ولكن معيار الحكم على هذه الانجازات لا تكون بالعودة إلى الماضي فاليمن لا يزال في أسفل السلم في الأمية حيث تتجاوز الأمية الأبجدية الـ 65% في صفوف الرجال وال 80% في النساء وتنتشر أمراض وأوبئة كان بعضها قد اختفى كالرمد والملاريا والوباء الكبدي،
ويتفشى وباء السرطان بسبب استخدام المبيدات في زراعة القات والمحاصيل الزراعية، ويعيش أكثر من 40% من السكان تحت خط الفقر، ولا يوجد حتى اليوم بعد ما يقرب من نصف قرن على ثورة سبتمبر قضاء عادل وكفؤ ونزيه. ودعوات الرئيس المتكررة للعفو العام نابعة من قلق الأوضاع وفساد الإدارة وغياب العدل.
في خطابه بمناسبة احتفالات سبتمبر نوه الرئيس إلى إعادة ممتلكات بيت حميد الدين، وهي خطوة طيبة وجريئة، ولكن السؤال الأكثر إلحاحاً وحضوراً ماذا بشأن ممتلكات الاشتراكي التي نهبت في حرب 94 الجائرة ؟ وماذا بشأن عودة المنفيين من الناصرين ؟! وماذا بشأن عفو عام حقيقي يتوج بمؤتمر وطني عام يحقق المصالحة بين الشمال والجنوب والشمال والشمال، وتحديدا بين المؤتمر والاشتراكي وبقية أطراف العمل الوطني، ويعيد الاعتبار للمناطق التي أضيرت بالحرب: الجنوب وصعدة.
لقد أحدثت حرب 94 انقساما حقيقيا وشرخاً عميقا في الجسد اليمني، وخلقت عداوات وحزازات بين الشمال والجنوب. كما أن حرب صعدة أيضاً قد عمقت أزمة النظام، وحسنا فعل الرئيس بالعفو عن أنصار بدر الين الحوثي قائد تمرد صعدة، ولكن العفو على أهميته وطابعه الإنساني لا يكفي لمعالجة مآسي الحرب وتبعاتها،
فلا بد من إزالة عوامل التفجر والتوتير المؤدية إلى الصدام والاقتتال. إن دورات العنف الذي تشهدها الساحة اليمنية بين الحين والآخر تؤكد أن الديمقراطية في اليمن لا تزال عاجزة عن حل لغز الصراع على السلطة، فهي لم تقترب من بوابة أو نافذة التداول السلمي للسلطة، كما أن الاحتكام إلى السلاح لحماية الشرعية نهج وحيد دائم ومستمر.
كاتب يمني