«إن الحرب قضية أكثر أهمية من أن تترك للعسكريين». القصد من ذلك أن مسألة حياة المواطنين أو موتهم يفترض أن تكون في عهدة القادة السياسيين الذين اختارهم هؤلاء المواطنون. غير أن من يراقب المسرح السياسي الأميركي يمكنه أن يستنتج أمرين: الأول هو انه كان من الأفضل، ربما، ترك أمر الحرب للعسكريين. الثاني، هو أن «السياسة قضية أكثر أهمية من أن تترك لهؤلاء السياسيين»!

منذ أن بدأ التفكير في الحرب على العراق والأنباء تتحدث عن تباين بين قيادات عسكرية أكثر حذرا ومسؤولين مدنيين أكثر تهورا. إن هذا هو الانشقاق الذي عاشته وزارة الدفاع بين «المحترفين» وبين «المدنيين». لقد كان «حزب الحرب» حزباً مدنياً بالأساس في البنتاغون وغيره. انه «حزب» (المحافظين الجدد) الذين وقعوا عرائض الدعوة إلى الحرب فلما أصبحوا في موقع المسؤولية خاضوها.

يطلق عليهم باحث أميركي وصف «الصقور الجبناء مثل الدجاج». والسبب أنهم، فردا فردا، تهربوا أو امتنعوا عن خوض أي معركة عسكرية في كوريا أو فيتنام أو غيرها مقلدين بذلك «الرئيس» جورج بوش نفسه الذي أمضى فترة خدمته العسكرية في «الحرس الداخلي».

ومنذ بدء التخطيط للحرب دافع المدنيون عن أطروحة الحرب السهلة، الانتصار السهل، واليوم التالي السهل. أما الأكثر جرأة بين العسكريين فانبرى ليقترح خططا أخرى تفترض ملاقاة صعوبات. وإذا كانت الجرأة أفادت في إدخال تعديلات على الخطة فإنها بقيت جزئية ثم كان ما كان.

وعند الانتقال إلى قلب الإدارة نفسها يمكن ملاحظة أن الرجل الأكثر اعتدالا في الفريق الحاكم كان كولن باول. وهو لم يكن أكثر اعتدالا لأنه وزير خارجية وإنما لأنه رئيس أركان سابق. لقد وضع الرجل «عقيدة عسكرية» طبقها في حرب 91 مستمدة من دروس فيتنام. ومؤداها انه إذا كانت الحرب محتمة فان المطلوب حشد القوى اللازمة لجعل الهزيمة مستحيلة. لم يستمع إليه احد في حين آثر هو، كعسكري سابق، الامتثال لرغبات رئيسه. وها هو اليوم، يتحدث عن لطخة لن تزال من كل جبينه.

كان الأسبوع الماضي مناسبة جديدة لاكتشاف حذر العسكريين وتهور المدنيين. لقد كرر بوش امتداحه للانجازات في العراق وللتقدم الحاصل. وكذب علنا برفعه من عدد القوات العراقية التي باتت جاهزة للمشاركة مع الأميركيين في محاربة الإرهاب وللحلول محلهم في وقت قريب. وعندما تحدث عن أعمال العنف اعتبرها حوادث ظرفية مرتبطة باقتراب موعد الاستفتاء على الدستور موحيا أنها ستتراجع بعد ذلك أمام الزحف المحتوم للديمقراطية.

وانبرت وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس لتكرار تصريحات رئيسها معتبرة أن معارضي الاحتلال بعيدون عن «تشكيل تحالف شعبي لمقاومة وطنية». إنهم مجرد قتلة في رأيها ولن يعيقوا الدستور والانتخابات.عشية تصريحات بوش ورايس كانت لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ تعقد جلسة استماع بحضور كبار القادة العسكريين المركزيين والميدانيين. كان وزير الدفاع دونالد رامسفيلد في صحبتهم. ولأن الأمر كذلك فانه كان من السهل اكتشاف التعارض.

عند الحديث عن الاستفتاء الدستوري لم يجد رامسفيلد ما يقوله سوى التفاؤل بما يبدو إقبالا سنيا على تسجيل الأسماء. قال «إن المشاركة أمر ايجابي». وهذا التقدير نسخ حرفي لما يقال عن المباريات الرياضية حيث المشاركة في حد ذاتها أمر ايجابي طالما أن «الروح الرياضية» توجب الامتناع عن تقدير الموقف انطلاقا من حسابات الربح والخسارة. غير أن القادة العسكريين أدلوا بمواقف أخرى. لقد توافق ريتشارد مايرز (المستقيل من رئاسة الأركان) وجون أبي زيد (قائد القوات المركزية) وجورج كايسي (قائد القوات في العراق)، توافقوا على الآتي:

إذا نجح العرب السنّة في إسقاط الدستور عبر المشاركة الكثيفة فهذه مشكلة. وهي كذلك لأنها تستوجب حل البرلمان والدخول في متاهة تمتد لسنة ونصف على الأقل من دون أن يكون واضحا أن ما جرى إفشاله الآن قابل للنجاح غدا. إفشال الدستور سيشجع التمرد.

إذا نجح الاستفتاء على الدستور فهذا مشكلة في ضوء الاعتراض السني الواضح عليه. إذ إن هؤلاء سيكتشفون أن المشاركة في اللعبة السياسية لا تغير شيئا بما يعزز الميل نحو المقاومة المسلحة.وكانت الخلاصة التي صاغها كل من كايسي وابي زيد هي «اعتبرنا في البداية أن الدستور ميثاق وطني ولكن فهمنا الآن انه ليس كذلك»، «إن التصويت لصالح الدستور لا يعني أننا نتجه إلى السلام والتقدم». والمغزى أن الأزمة إلى تفاقم.

وان المخاطر متزايدة، وان ما يقوله السياسيون لجمهورهم لا يعكس حقيقة الوضع وذلك حتى لا نقول أكثر! إلا أن الدستور صنيعة السياسيين بالدرجة الأولى. وما جرى حوله ليس تراكما لأخطاء تقنية فحسب. انه ترجمة لعمى السياسيين. أو بالأحرى، انه ترجمة لحالة الإنكار التي تصر الإدارة الأميركية على سجن نفسها فيها.

فهي ترفض أن ترى الواقع العراقي بتعقيداته وترفض الاعتراف أن مقاطعة فريق للمسار السياسي لا يقاس وقعه بأعداد المشاركين في الانتخابات مثلا، وإنما أيضا، بأعداد المقاطعين وبطبيعة انتماءاتهم وبكونهم يشكلون فريقا تكوينيا في النسيج العراقي.إن هذا العمى السياسي هو المسؤول عن حالة الانسداد الراهنة التي تجعل من أي احتمال للاستفتاء على الدستور مدخلا إلى عنف جديد، والى دخول الأزمة العراقية في منعطف انحداري يقود نحو هاوية لا قعر لها.

كاتب لبناني