ليس من المبالغة في شيء القول بأن منح جائزة نوبل للسلام لهذا العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية وامينها العام الدكتور محمد البرادعي هي خطوة لحساب المستقبل اكثر منها تكريما لجهود بذلت خلال الفترة الماضية.
ومع التأكيد على الدور الذي قامت به الوكالة الدولية للطاقة الذرية خلال السنوات الاخيرة وخاصة فيما يتعلق بتفعيل اجراءات الحد من الانتشار النووي على مستوى العالم بوجه عام وعلى مستوى المفاوضات والجهود الخاصة بالتعامل مع الملفين النوويين لكوريا الشمالية وايران بوجه خاص وهي جهود بدأت تؤتي ثمارها على مستويات مختلفة.
فإن منح جائزة نوبل للسلام لعام 2005 للوكالة الدولية للطاقة الذرية وأمينها العام تنطوي على دلالة عميقة سواء بالنسبة لهذه المنظمة الدولية او بالنسبة لقضية منع الانتشار النووي على المستوى الدولي ومستقبلها،
وفي هذا الاطار فإنه يمكن الاشارة الى مايلي:
أولا: ان منح جائزة نوبل للسلام للوكالة الدولية للطاقة الذرية وامينها العام من شأنه كما قال الدكتور البرادعي ان يدعم عمل المنظمة على كل المستويات من جهة وان يدعم امينها العام كذلك في عمله من اجل تحقيق اهدافهامن جهة اخرى.
والاكثر من ذلك ان فوز الدكتور محمد البرادعي بالجائزة مناصفة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية يحمل في جانب منه تأكيدا للثقة الدولية فيه كموظف دولي على رأس احدى اهم المنظمات الدولية في هذه المرحلة وهو ما يعني تجاوز الجدل الذي صاحب إعادة اختياره لفترة ثالثة كأمين عام للوكالة.
أما كون الدكتور البرادعي شخصية مصرية عربية وانه رابع شخصية مصرية عربية وخامس شخصية عربية تحصل على جائزة نوبل منذ ان حصل عليها الرئيس المصري الراحل أنور السادات مناصفة مع مناحم بيجن رئيس وزراء اسرائيل الاسبق مرورا بالكاتب نجيب محفوظ والعالم الدكتور أحمد زويل والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات الذي حصل عليها مناصفة مع اسحق رابين رئيس وزراء اسرائيل الاسبق، فإنه يعبر بوضوح عن الاسهام العربي العميق فى الحضارة الانسانية وفي العمل من اجل سلامة البشرية وتقدمها وهو ما يقدره العالم بأرفع مستوياته وفي ذلك رد بالغ الدلالة على كل محاولات التشويه التي يتعرض لها العالم العربى الآن.
ثانيا: بالنسبة لقضية منع الانتشار النووي التي تشغل العالم في هذه المرحلة وعلى نحو اكبر من اي وقت مضى، فإنه من المؤكد ان فوز الوكالة الدولية للطاقة الذرية بجائزة نوبل للسلام سيكون مناسبة لاعطاء دفعة كبيرة لدور الوكالة في هذا المجال، ومن ثم العمل على حشد المزيد من التأييد والدعم الدولي لها خاصة فيما يتصل بالمسائل المثارة امامها الآن، اي الملف النووي لكوريا الشمالية والملف النووي لايران.
ومن غير المستبعد ان تسعى بعض الاطراف الدولية الى توظيف ذلك في اتجاه ممارسة ضغوط اكبر خاصة في اتجاه ايران برغم ان طهران اعلنت عن استعدادها لاستئناف المفاوضات مع الترويكا الاوروبية.
على اية حال فإنه من المنتظر ان تحظى قضية منع انتشار الاسلحة النووية باهتمام اكبر واعمق وهو ما سيصب بالضرورة في مصلحة العالم وهي مصلحة لن تتحقق بشكل متكامل إلاّ اذا التزمت الدول النووية الكبرى بقواعد معاهدة منع انتشار الاسلحة النووية وامتنعت ايضا عن تطوير قدراتها وبرامجها في هذا المجال حتى يكون العالم اقل تهديدا، وحتى تكتسب مواقف هذه الدول داخل الوكالة الدولية للطاقة الذرية وخارجها مصداقية حقيقية.