يمر العظماء في حياتنا كالطيف اللطيف، يغيبون لكنهم يتركون أثرا من فرح لا يغيب، ويخلفون وراءهم عملا وعطاء وسيرة عطرة. الشيخ راشد رحمه الله من أولئك العظماء الذين أبدعوا وقدموا الكثير في حياتهم والذين أسسوا لنا كي نكمل ما بدأوه ونمضي على نهجهم.

منذ يومين عاودت شعب الإمارات ذكرى رحيله، وفي هذه الذكرى طالعتنا الصفحات والصور بحياة كانت عامرة بالأعمال التي لم يتناس فيها جانبا من جوانب الحياة، وأقواله المشهورة خير شاهد على ذلك. قال رحمه الله: «قطعنا على أنفسنا وعدا بالمضي قدما في سبيل تقدم ورقي وازدهار وتعمير وطننا».

وقال: «سنستمر في تقديم المساعدات للفلسطينيين وذلك لأننا نؤمن بأن قضيتهم عادلة وهذا من واجبنا». وقال: «الأوضاع الراهنة في المنطقة العربية تستلزم تدعيم التعاون بين أبناء الأمة الواحدة» وقال: «بإقامة ميناء جبل علي نخطط لجعل هذا البلد مركزا تجاريا له شأنه في المجتمع الدولي» وقال: «من لا يعمل هو وحده الذي لا يتعرض للخطأ». وقال: «لكل مواطن في هذا البلد الفرصة في أن يبدي رأيه بكل صراحة ووضوح، وان ينتقد الدولة والحكومة».

هكذا بدأت دبي. كانت تلك العبارات التي تركها لنا تلخيصا بسيطا ومكثفا لرحلة عمره ومبادئه وفكره المستنير الفطن الذي وضع الأساس لكل ما تنعم فيه دبي الآن. طرق الشيخ راشد كل أبواب التنمية البشرية لمواطنيه والمقيمين في دولته، ومد يد العون لكل محتاج، وفتح مجالسه لعموم شعبه واثبت بمواقفه المعتدلة حسن نواياه في كل حادثة وأزمة سياسية واقتصادية، وكان الداعي إلى الوحدة والساعي لها في جميع المواقف، والإنسان المحب الذي جمعت له محبته الناس جميعا.

وكان المعمر والباني لإمارة تخطى العمل فيها الزمن وقهرت الإرادات كل مستحيل يعترض طريقها، فحققت في ظل رعايته وبعد رحيله إنجازات لا تحتاج إلى كثير الكلام، فهي أبلغ من أي وصف، وأصدق من أي شاهد.هذا اليوم رغم تكرار مشهده على مدى خمسة عشرة عاما، إلا انه في كل مرة كان يضيف إلى صورته الأولى آلاف المشاهد الجديدة من الإنجازات التي تحققت والتي لا تعني أن المشهد اكتمل.

وبعد كل تلك السنوات ستأتي سنوات تكون التحديات فيها أكبر وأصعب، فإذا كان الوصول إلى القمة قد تم بنجاح مشهود، فإن الحفاظ على هذا النجاح وعند مستواه هو التحدي الأكبر الذي يواجه المسؤولين عن دبي ليضمنوا بقاء الصورة جميلة ومشرقة، تتشكل وتضاف إليها تفاصيل أجمل، ليس على المستوى الإقليمي والقومي فقط، وإنما على مستوى العالم.

حياة الإنسان لا تقاس بعدد السنين التي عاشها، لكنها تقاس بالأعمال التي حققها، والبصمات التي تركها الشيخ راشد بن سعيد والتي تذكر بنمط عاشه وأورثه من يأتون بعده، واللحظات التي نعيشها الآن ونسترجع فيها ذكرياته فرصة لان يسترجع كل واحد منا شريط حياته ويرى ما الذي أنجزه ليضاعف جهوده ويبذل كل ما بوسعه من أجل وطن يستحق الكثير.

maysaghadeer@yahoo.com