غرق عشرة أو عشرون إفريقيا من بين ركاب مركبة بحرية خربة ومكتظة بعد تسللها في ساحل المغرب متجهة إلى ساحل اسبانيا عبر مضيق جبل طارق أصبح من الأخبار التي لا تجتذب كثير اهتمام. فمثل هذه المأساة صارت تتكرر بمعدل شهري تقريباً.
رغم عدم تناقص أعداد الشبان الأفارقة الذين يقبلون على مثل هذه المخاطرة المرعبة. بل على العكس فإن هذه الأعداد تتضاعف فلماذا؟أولاً.. هؤلاء الشباب مهاجرون في سبيل العمل. وتبدأ الرحلة من الموطن في إحدى بلدان غرب افريقيا (السنغال أو مالي أو غانا أو نيجيريا). والغاية المقصودة هي اسبانيا باعتبار أنها بوابة أوروبا الجنوبية الغربية. وما بين الموطن الأصلي وأوروبا صارت المغرب المحطة الانتقالية.
انها ليست ظاهرة مؤقتة طالما ظلت ظروف البؤس المتفاقم في افريقيا باقية.بلدان افريقيا جنوب الصحراء كلها على حافة الإفلاس وبسبب إفلاس الاقتصاد الوطني تنتشر البطالة بين الشباب بمعدلات متسارعة ومتصاعدة .. وانهارت الخدمات في المستشفيات العامة مع انتشار الأوبئة الفتاكة كالملاريا والإيدز والأمراض الأخرى التي يفرزها الجوع أو سوء التغذية.
ومن هنا تكون الهجرة إلى أوروبا طريق الخلاص الأوحد في نظر الشباب الافريقي فحتى لو انطوى مشوار الهجرة على مخاطرة بالحياة فإن البقاء في الوطن ليس سوى موت بطيء.الآن ومع تفاقم الظاهرة ارتفعت أصوات الحكومات الأوروبية بالشكوى والاحتجاج مطالبة السلطات في المغرب ـ وأيضاً تونس وليبيا ـ باتخاذ المزيد من التدابير الأمنية لوقف سيل الهجرة.
ولكن هل تكفي الإجراءات الأمنية للتغلب على المشكلة؟دول أوروبا لا تريد أن تقر بأن المشكلة اقتصادية بالدرجة الأولى. ولذا فإن المشكلة مرشحة للمزيد من الاتساع والتفاقم إذا لم تعالج أسبابها من الجذور. جذور المسألة تتمثل في عبء الديون الخارجية التي تستنزف موارد الدول الافريقية بصورة منتظمة فالدخول السنوية التي تحصل عليها هذه الدول بالنقد الأجنبي
كعائدات مالية لصادراتها تذهب إلى خزائن الدائنين في الغرب في حكومات ومصارف ومؤسسات مالية أخرى وهكذا تبقى مؤسسة الدولة في بلد افريقي في حالة إفلاس مستديم .. وبالتالي فهي عاجزة عن تمويل الخدمات الأساسية وفاتورة استيراد الضروريات أما تمويل مشروعات تنموية لتفرز فرص عمل متجددة فقد صار نسياً منسياً.
هجرة الشباب الافريقي إلى أوروبا هي إذن رد الفعل غير المباشر على مصيبة المديونية الخارجية. ولن تتوقف الهجرة طالما ظلت اقتصادات الدول الافريقية مفلسة. ولن تسترد هذه الاقتصادات عافيتها إذا لم تتجاوب الدول الأوروبية ودول الغرب عموماً مع نداءات الدول الافريقية إلى إلغاء الديون الخارجية.
إن تركيز الدول الأوروبية على التدابير الأمنية إنما هو في الحقيقة تهرب من مواجهة الأسباب الجذرية الحقيقية للقضية.وعلى دول أوروبا ان تدرك أيضاً أنه مع مرور الأيام سوف تتضاعف معدلات الهجرة الافريقية مع ازدياد الضغوط على اقتصادات افريقيا. وهكذا وعلى مدى طويل سوف تنقل الأخبار من حين لآخر حادثة تعطل أو انقلاب مركب خربة في عرض البحر الأبيض وغرق حمولتها من البشر.