المخاوف التي اجتاحت الشارع العربي وكل أصدقاء الفلسطينيين في العالم من خطر الاقتتال الداخلي بعد الأحداث التي شهدتها غزة قبل أيام، عكست رغبة الجميع في وأد الفتنة، وضمان عدم تكرار ما يراهن عليه رئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون، الذي اجبر على الرحيل عن غزه حتى وان رفع لافتة تحمل عنوان خطة الفصل الأحادي.

وخيرا فعلت حركة المقاومة الفلسطينية «حماس» بإعلانها الالتزام بإنهاء مظاهر التسلح والتأكيد على أنها مع القانون العادل وليست فوقه، فقد أراد البعض جر الحركة إلى مصيدة انفراط العقد الفلسطيني وتحميلها مسؤولية تاريخية عن إشهار الأشقاء السلاح في وجه بعضهم البعض، وهو ما لا يمكن لأي فصيل فلسطيني يعي خطورة اللحظة وتحدياتها تحمله.

بالقطع هناك ملابسات كثيرة تقف وراء ما جرى في غزة بين حماس والسلطة، لكن حقائق الأمور تقول إن دماً فلسطينياً سال بسلاح فلسطيني للأسف الشديد، وهو خط احمر لا يجب تجاوزه أيا كانت الظروف والمبررات، والإخوة في حماس و باقي الفصائل الفلسطينية أدرى الناس بالأمر.

الضغوط التي تواجه كل الفلسطينيين، سلطة وفصائل وشعباً يدافع عن حق وجوده وحريته هائلة، غير أن النضال والدم الذي جرى على مذبح الحرية، يفرض على الجميع الصبر وقدرة الجبال على الصمود في وجه عدو يتحين كل الفرص للاصطياد في الماء العكر وإظهار الفلسطينيين بمشهد العاجز عن تسيير دفة أمورهم بمفردهم أمام العالم، وبما يضر بصورتهم كأصحاب حق دفعوا ولا يزالون يدفعون ثمن الدفاع عن أرضهم ونيل استقلالهم المشروع مثل كافة شعوب الكرة الأرضية.

لا نود إلقاء المسؤولية على هذا الفريق أو ذاك ولكننا بدافع الحب والحرص على الأشقاء لابد أن نرفع صوت التحذير من خطورة ما جرى، وان ندعو رفقاء الدرب إلى تحكيم العقل وتغليب المصالح العليا على حساب لحظات الانفعال والتوتر التي قد تقود إلى ما لا يحمد عقباه.

ربما يقول البعض ان ما تم جاء نتيجة تراكمات وسنوات من الخلاف في الرؤية من اجل الوصول إلى الهدف الاسمي بدحر الاحتلال وتلمس نور الحرية والاستقلال كحق مشروع بذلت في سبيله ولا تزال الأرواح وكل غال ونفيس، لكن من يقول ان الحفاظ على وحدة الصف لا يقل أهمية عن هدف التحرر والانعتاق من نير الاستعمار الجاثم على الربوع الفلسطينية منذ أكثر من نصف قرن!

خرج شارون من غزه مكرها، لكن قلبه في انتظار ان ترى عيناه الفلسطينيين وقد انهمكوا في سفك دمائهم بعضهم البعض، وان تعم الفوضى والاقتتال بما يفسح المجال أكثر أمام تفويت مشروعه الاستيطاني في الضفة وفرض ضم القدس عنوة، فهل يمكن لأي عاقل فلسطيني أن يمكن شارون من تحويل أحلامه إلى واقع ؟ كل ما نتمناه ان يكون الإخوة في القطاع والضفة وباقي فلسطين اشد حرصا على تحويل أحلام السفاح إلى كوابيس، بتأكيد وحدة الصف والهدف.

البحث عن أرضية مشتركة وتغليب جوانب الالتقاء على حساب نقاط الاختلاف، ضرورة تمليها المصلحة الوطنية الفلسطينية، وهو ما يجب أن ينخرط الجميع في البحث عنه في إطار أجندة وطنية تحدد الأولويات، وتبتعد عن الفرعيات، انطلاقا من حق كل الفلسطينيين سلطة وفصائل المشاركة في صنع المستقبل.