يبدو أن الملف النووي الإيراني يدخل في أكثر أيامه حرجاً ويكاد يتجه ليسبب أزمة دولية من الطراز الأول، فالأميركيون ومن ورائهم المحرضين الإسرائيليين يظهرون وكأنهم نفضوا أيديهم من إمكانية حل ممكن عن طريق الحوار بعد أن حققوا هدفهم بإفشال الحل الأوروبي الوسيط.
والأوروبيون لم يعودوا يقبلون بإحياء دور الوساطة ما لم تتراجع إيران عن خطوة أصفهان. والإيرانيون لم يعودوا يثقون بالوسيط الأوروبي بعد أن نقض عهده معهم كما يقولون وتركهم وحدهم يواجهون حائط مجلس الأمن الدولي كالسيف المسلط عليهم، وهم مصممون على المضي قدماً في ممارسة سيادتهم واستيفاء حقوقهم في طاقة نووية سلمية كما تقرها لهم القوانين والاتفاقات الدولية مهما كان حجم الضغط السياسي المتصاعد ضدهم!
والروس الذين كانوا ولا يزالون يعارضون نقل الملف إلى مجلس الأمن الدولي إلا أنهم لن يذهبوا إلى درجة معاداة موقف أميركي أوروبي موحد ضد طهران، وبالتالي لن يكونوا من ركاب القارب الإيراني إذا ما انقسم العالم بين ركاب سفينة تقودها الولايات المتحدة الأميركية وأخرى تضم إيران وبعض دول عدم الانحياز كما ذكر بوتين لكبار القادة الإيرانيين أكثر من مرة.
والصينيون الذين يتمنون بقلوبهم وعواطفهم أن يذهبوا مع الإيرانيين إلى درجة استعمال حق الفيتو ضد أي قرار يدين إيران، إلا أن عقولهم ودمهم الاستراتيجي البارد ومعركتهم الطويلة وبعيدة المدى مع الهيمنة الأميركية على العالم يقول لهم إن هذا الحق يجب أن يبقى كالسيف المغمود من أجل قضيتهم الوطنية الكبرى والأولى في تايوان التي يجب أن تعود إلى الوطن الأم.
وأما العرب وهم المعنيون الأكثر قرباً بهذه المعركة فإنهم وقد بدوا لا حيلة لهم إلا إبداء القلق حول ما يحيط بهم إنما يتخوفون من كارثة جديدة تحيق بهم وهو خوف مشروع فإنهم قد يكونون معنيين أكثر من غيرهم بهذه القضية الحساسة والخطيرة من زاوية أخرى ألا وهي أن المحرض الأساسي على إيران والطرف الذي قد يكون هو المشعل لشرارة الكارثة الجديدة هذه المرة هو إسرائيل التي لطالما هددت بضرب المنشآت الإيرانية وما انفكت تزعم بوجود نوايا تسلحية إيرانية رغم كون تل أبيب تنام على ترسانة نووية غير منضوية للقانون الدولي ومطلقة العنان تجاه العرب وإيران بحجة أنها الدويلة الصغيرة المحاطة ببحر من الأعداء!
هنا قد يأتي الدور العربي الدقيق، ولكن الخطير والمهم وقد يكون المنقذ!
فإيران صديقة العرب كما تعلن وتصرح باستمرار ووزير خارجيتها الذي قام لتوه بجولة خليجية وينوي توسعتها لتشمل دولاً أخرى يريد طمأنة جيرانه بسلمية مشروع بلاده النووي وبحقها المشروع في دورة نووية كاملة كما تنص معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية الموقعة من قبل طهران، وأن يثبت لهم أيضاً بألاّ شيء وراء الضجة الإسرائيلية الموظفة أميركياً في الصراع ضد الإيرانيين سوى رفض طهران للإملاءات السياسية الأميركية.
إن باستطاعة العرب المعنيين، كما قلنا بعد الإيرانيين والأميركيين والإسرائيليين أكثر من سائر دول العالم بمن فيهم الصين وروسيا بما يمكن أن ينتج عن هذا الاستقطاب الدولي الخطير حول الملف النووي الإيراني، ولما كان رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية وهي الطرف المفاوض الحقوقي والقانوني المفترض عربياً من مصر،
وهي الدولة العربية الكبرى، فإن باستطاعة المجموعة العربية الدعوة إلى محادثات سداسية على الطريقة الكورية من أجل البحث عن مخرج لهذا الانسداد النووي حول ملف إيران يضم كلاً من المجموعة العربية وأوروبا وأميركا وتركيا التي تقول أنها ستمثل العالم الإسلامي في المجموعة الأوروبية التي تتجه للانضمام إليها وباكستان التي تكثر الشائعات والاتهامات من دولها بخصوص مسؤوليتها أو دورها في الملف النووي الإيراني، بالإضافة إلى طهران صاحبة العلاقة بالطبع.
إن دور روسيا والصين سيظل محفوظاً هنا من خلال وجودهما القوي والفاعل في مجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة الذرية والتي يفترض بها أن تستثمر هذه المحادثات لتعيد الأمور إلى نصابها القانوني، أي إعادة الملف إلى مستوى التعاون الثنائي البناء والشفاف والقانوني بينها وبين طهران.
ماذا يعني عملياً مثل هذا الاقتراح؟ وماذا سيؤمن لمختلف الأطراف؟
هذا يعني أن يدخل العرب كطرف مساهم وربما شريك بالأسهم والأرباح بالمشروع النووي الإيراني فيمنح بعض الاطمئنان لصديق العرب الأميركي بخلو المشروع الإيراني من التسلح الذي تزعمه إسرائيل، وهو سيضيف للعرب مكانة وموقعاً جديداً في المعادلة الدولية، بالإضافة إلى توظيف القدرات الإيرانية في مجالات التنمية المطلوبة للمنطقة بطريقة سلمية ونظيفة.
بالمقابل، فإن تركيا وباكستان اللتين يزداد دورهما الإقليمي هذه الأيام يستطيعان أن يساهما بدورهما في زيادة الاستقرار الإقليمي الذي تدعي واشنطن أنه من أولى أولوياتها، وبالتالي عليها أن تقبل به عندما يأتي من صديق وحليف كتركيا وباكستان اللتين دخلتا في تحالف علني معها ضد ما يسمونه بالإرهاب!
وأما أوروبا، فبالإضافة إلى حفظ ماء وجهها الذي ذهب مؤخراً بعدما ظهرت وكأنها مجرد تابع أو سمسار رخيص لدى الولايات المتحدة، فإنها ستستعيد من خلال المبادرة العربية إن أطلقت دوراً طلائعياً لها في المنطقة طالما خسرته بسبب ترددها ومراعاتها الزائدة على الحاجة لكل من إسرائيل وأميركا.
وأما أميركا، فإن كانت صادقة فعلاً بأنها بالبحث عن حل يبعد خطر التسلح في المنطقة، كما تقول وتتأثر بحليفها الإسرائيلي. وأنها لا تثق بإيران، فإن المبادرة العربية المذكورة قد تكون الباب الذي يتحقق من ورائه ما تريد، ومن ثم تستطيع الدخول في كونسورتيوم نووي سلمي يفيد التنمية في «شرق أوسطي» خال من أسلحة الدمار الشامل، شرط أن تقبل إسرائيل بنزع أسلحتها وتفكيك ترسانتها التي تمثل الخطر الحقيقي على المنطقة، بل والعالم كله.
وأما إيران، التي ستنال حقوقها المشروعة تحت هذا العطاء الإقليمي والدولي، فإنها هي الأخرى ستحقق ربحاً إضافياً هو صداقة العالم لها وإثبات حسن نيتها وثبوت مصداقيتها ورفع الظلم والإجحاف غير المبرر بحقها عبر «التمييز النووي» الممارس ضدها، كما قال رئيسها أحمدي نجاد.في غير ذلك، فإنه ما أرادت أميركا ومن ورائها إسرائيل ضد إيران وهزيمتها من خلال استمرار تسييس الملف وتضخيمه بهدف إحراج طهران لإخراجها من المعادلة، فإن واشنطن خاطئة في تقديراتها البتة.
رئيس منتدى الحوار العربي الإيراني