لم تقف تركيا وريثة الامبراطورية العثمانية هذه المرة على أبواب فيينا بل فتحت لها أبواب أوروبا بعد أن تراجعت النمسا عن معارضتها الشديدة لانضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، وذلك بعد اعتماد صيغة تسوية مرنة. لكن اجتياز رحلة الانضمام تبقى مليئة بالحواجز والمطبات.
في مطلع القرن الماضي كان يقال إن تركيا هي رجل أوروبا المريض لكن طبيعة النقاش الدائر حول انضمام تركيا من عدمه إلى الاتحاد الأوروبي، النقاش الذي شهدته وتشهده أوروبا على جميع المستويات يسمح بالاستنتاج أن أوروبا صارت مريضة بتركيا وأن المسألة التركية صارت المسألة الأولى التي تفرض ذاتها على الأجندة الأوروبية،
وللتذكير فإن رحلة الانضمام هذه قد بدأت منذ 42 عاماً عندما وقت تركيا اتفاقية المشاركة الأولى مع المجموعة الأوروبية، كما كان يسمى الاتحاد الأوروبي حينذاك، الاتفاقية التي فتحت منذ ذلك التاريخ آفاق الانضمام التركي كلياً إلى أوروبا. ملاحظات لا بد منها حول إعلان الزواج الصعب التركي الأوروبي.
1- لعبت الدبلوماسية البريطانية، وبريطانيا تتولى حالياً رئاسة الاتحاد الأوروبي، دوراً أساسياً في بلورة صيغة تسوية لبدء مفاوضات الانضمام بين تركيا والمؤيدين لها من جهة والمتحفظين والمعارضين من جهة أخرى. كان الدور البريطاني رئيسياً في اختيار الكلمات التي لا تستفز طرفاً معيناً وتلافي تلك التي تلقى معارضة شديدة عند طرف آخر، وفي إيجاد الصيغ التي تحمل تطمينات لهذا الطرف أو ذاك.
فإذا أكد الاتفاق كما أرادت تركيا أن الهدف المشترك للمفاوضات هو الانضمام لكنه أكد أيضاً أن المفاوضات هي مسار مفتوح لا يمكن ضمان نتائجه مسبقاً، وذلك إرضاء أو طمأنة للتيار المعارض أو المتحفظ، كما، جرى التشديد في الاتفاق على ضرورة تنفيذ تركيا لمعايير كوبنهاغن الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الخاصة بالعضوية وهي معايير تشكل كل مجموعة منها امتحاناً لتركيا في طريقها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
كما جرى التأكيد على المفاوضات لا يمكن أن تنتهي قبل إقرار موازنة الاتحاد الأوروبي للفترة التي تبدأ عام 2014 بسبب التداعيات المالية الضخمة لانضمام تركيا، وإذ يبدو هذا الشرط في ظاهره من النوع التقني المادي، ولكنه يعكس الحاجة الأوروبية إلى إطالة المفاوضات للمساعدة في استيعاب البعض لصدمة انضمام تركيا عبر اطالة الفترة الزمنية للمفاوضات.
كما أكد الاتحاد الأوروبي في الاتفاق على طلبه من تركيا بذل الجهود المستمرة لإيجاد تسوية شاملة للمسألة القبرصية في اطار الأمم المتحدة ولحصول تقدم في تطبيع علاقات تركيا الثنائية مع جميع دول الاتحاد ومنها جمهورية قبرص مما يشكل ضغطا اضافيا على تركيا وبواسطتها على القبارصة الأتراك للمساهمة في حسم المسألة القبرصية.
2ـ يبدو الموقف البريطاني المتحمس أساسا لانضمام تركيا قريبا بشكل كبير لموقف الولايات المتحدة التي تكرر دائما دعوتها للاتحاد الأوروبي لضم تركيا إليه. ويعتبر هذا الموقف البريطاني الأميركي الذي يحظى بتأييد عدد من حكومات الدول الجديدة في الاتحاد الأوروبي بأن تركيا موجودة في جميع المؤسسات الغربية والأطلسية الاقتصادية والإستراتيجية وبالتالي فمن الطبيعي ان تنضم إلى الاتحاد الأوروبي،
في حين ان التيار المتحفظ أو المعارض يعكس موقفا يعبر بشكل خاص عن قضية الهوية الثقافية الدينية لتركيا ولو انه حريص قدر الإمكان على اخفاء ذلك وراء حجج استراتيجية وسياسية تستند إلى بعض التحليلات التي تعطيها بعض القوة مثل القول ان دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي في اطار سياسة توسيع سهلة ومرنة جدا للاتحاد ستحول أوروبا إلى سوق موحدة كبيرة كما تريد بريطانيا ومعها الولايات المتحدة من خلال اثقالها بالمشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي يحملها الأعضاء الجدد مما يمنع الاتحاد الأوروبي من التحول إلى طرف دولي فاعل.
3ـ ساهم الاتفاق على بدء مفاوضات الانضمام التركي في تلافي أزمة تركية أوروبية كانت ستأخذ طابع «صراع الحضارات» أو صراعا مسيحياً إسلامياً كأن يقال ان أوروبا رفضت تركيا بسبب الاختلاف الديني وكان رئيس وزراء تركيا قد أشار في أكثر من تصريح ان رفض إدخال بلاده في الاتحاد يعني ان أوروبا تريد ان تبقى ناديا مسيحيا وليس قطبا دوليا فاعلاً.
هذه الأزمة كانت ستأخذ ابعاداً سلبية كبيرة في ظل مناخات الاحياء الديني وتسييس الدين، المنتشرة في العالم وعودة الحديث عن يقظة الهويات وصراعها واحتلال العنصر الثقافي الذي يعبر عن كل هذه السمات مكان الصادرة في الديناميات السياسية العالمية بعد 11 سبتمبر.
4ـ ان بدء مفاوضات الانضمام يمثل تحولا كبيرا في العلاقات الأوروبية التركية يسقط حاجزا نفسيا كان يعتبر ان تركيا لا يمكن ان تكون أوروبية بسبب الاختلاف في الهوية الدينية الثقافية وصارت المشكلة الآن تتمحور حول ان تركيا أوروبية ولكن تحقيق أوروبيتها مرتبط مع التجاوب بنجاح مع شروط معينة فسقوط الحاجز النفسي يعني التحول من الاختلاف الثابت والمستقر عبر الزمان والمكان والقائم على تناقض جوهري الى استيعاب هذا الاختلاف واخراجه من المعادلة والتعامل مع المسألة باعتبارها قضية خلافية طبيعية قابلة للتسوية مثل كل القضايا الخلافية بين أي طرفين.
5 ـ ان انضمام تركيا لاحقا سيحدث تغييرا أساسيا في الأولويات بسبب التغير الذي سيطرأ على الجغرافيا السياسية لأوروبا التي ستصبح عبر تركيا محاذية للشرق الأوسط بشكل مباشر وعلى الحدود الإيرانية السورية مما يجعلها أكثر حساسية تجاه قضايا المنطقة ويفرض عليها ان تكون أكثر اهتماما بهذه القضايا.
6ـ يرى الكثيرون ان تركيا قادرة ان تنجح عبر الزمان في التغلب على بعض القضايا الأساسية التي تشكل عنصراً سلبياً وحاجزاً أساسياً أمام تطبيع صورتها كليا وعلاقاتها مع الكل في العالم أسوة بما حصل مع دول اخرى واجهت مسائل حساسة في تاريخها مثل فرنسا وألمانيا في علاقاتهما مع بعضهما البعض ونجاحهما في فتح صفحة جديدة في العلاقات بينهما. ويشير رئيس وزراء فرنسا الأسبق ميشال روكار إلى النموذج الفرنسي الألماني ليعتبر ان تركيا قادرة ان تقيم ذات العلاقات مع الأكراد والأرمن والقبارصة.
7ـ ان النجاح في نهاية المفاوضات التركية الأوروبية سيحمل تغييرا أساسيا عند كل من الطرفين اذ سيعني نجاح تركيا في عملية التحديث الشامل والتنمية التي تقوم بها في جميع المجالات وانتقالها إلى مصاف الدول المتقدمة كما ستعني اغناء ثقافيا وتنوعا حضاريا ومزيدا من القوة وبالتالي المكانة لأوروبا الجديدة، أوروبا التي تضم تركيا إلى أسرتها.
كاتب لبناني