زيارة وفد الجامعة العربية إلى بغداد، عملاً بقرار اللجنة الوزارية العربية التي سبق واجتمعت في جدة قبل أيام، تمثل الخطوة الأولى في التحرك العربي الجاد الأول تجاه القضية العراقية، وغني عن البيان أن المهمة صعبة ومعقدة، ليس لأنها فقط جاءت متأخرة، بل أيضاً لأنها تأتي عشية استحقاقات فاصلة، يدور حولها خلاف عميق وتهدد بتأزيم هذا الخلاف وتوسيع دائرته.
بل هي تهدد المصير العراقي برمته، على رأسها مشروع الدستور الذي لم يبق سوى أسبوع على إجراء الاستفتاء المقرر حوله، وبقدر ما هي فترة محرجة بقدر ما هي ضاغطة، لجهة المساحة الضيقة التي تتيحها، للتحضير لمؤتمر مصالحة وطنية، ناهيك بعقده والخروج بقرارات تنعكس إيجاباً على الاستفتاء.
مع ذلك تبقى الخطوة مفيدة كبداية تمهد لتهيئة الأجواء الملائمة ولكسح الألغام الكثيرة والكبيرة من الطريق المؤدية إلى التوافق. خاصة إذا ما توفرت الشروط اللازمة لها، والتي تمثل بعضها في الترحيب الرسمي بهذا الدور. كما جاء على لسان وزير الخارجية العراقي، والذي شجع وشدد على أهمية الدور العربي في العراق.
فربما تكون الظروف قد نضجت للتفاعل مع هذا الدور. أو علّ الفرصة لا تكون قد فاتت لمثل هذا الاستدراك، فأية محاولة من هذا النوع هي الآن في سباق مع الزمن، كما مع عوامل التصعيد الهاجمة على الساحة من كل صوب، من الداخل والخارج، وإذا كان النجاح في هذا التحرك، غير مضمون، في ضوء الواقع العراقي والتهاباته وتداخلاته، فإن الفشل ينبغي أن يكون غير مسموح به، ليس فقط لأن ذلك يمثل نكسة لوضع عربي لم يعد يحتمل النكسات،
بل أيضاً لأن التداعيات والمضاعفات قد تكون من العنف المدمّر للعراق، كما للمنطقة.ومن هنا دقة مهمة التعريب، التي يراد لها أن تكون نسخة منقحة عن مثل هذا التحرك الذي حصل بالنسبة إلى لبنان وانتهى باتفاق «الطائف»، وربما التحدّي الآن، في الحالة العراقية أقسى وأشد تعقيداً، فالعوامل الداخلية باتت متفاقمة إلى حدّ التورم الخطير، يضاف إليها العوامل الخارجية التي لا تقل خطورة، ناهيك عن الاحتلال الذي ما زالت آلته العسكرية ترمي بكل ثقلها على الساحة بكل مكوناتها وأوضاعها الأمنية البائسة.
إنقاذ العراق يتطلب حشد كل الطاقات والإرادات العربية والجوارية والدولية، لكن الأولى تبقى الأهم، فهي الأدرى والأولى، وتجربة المصالحة اللبنانية خير شاهد، ولا خيار من تكرار إذا ما توفرت النوايا لانتشال العراق من مستنقع الحروب ومخاطر التفكيك.